الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥٢ - شرح خطبة الكافي
الشرك الخفيّ؛ وفّقنا اللَّه له بلطفه الجليّ والخفيّ.
وإذا أحطت بما تلونا عليك، عرفت معنى قول المصنّف (قدّس اللَّه روحه)، كأنّه يقول: إنّ قدرته الكاملة الدالّة على كمال العظمة والجلال، المصحّحة لأن يطمع فيه تعالى جلائل النِّعم وعظيم الأفضال، المخوّفة على شديد البطش [١] وأليم النكال- جعلت الأشياء كلّها دائنةً له تعالى بالعبوديّة الذاتيّة، أي الخضوع والتذلّل بلسان الحال؛ أو حملت المؤمنين العارفين وغيرهم على أن يعبدوا اللَّه تعالى هيبةً وإجلالًا، خوفاً ورجاءً، طوعاً وكرهاً، فهو تعالى معبودٌ لقدرته التي هي عين ذاته: «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ» [٢].
وفي دعاء السحر لسيِّد الساجدين عليّ بن الحسين زين العابدين ٨: «يا من وضعت له الملوك نيرَ المذلّة على أعناقهم، فهم من سطواته خائفون». [٣]
قوله: (المُطاعِ في سلطانه).
لمّا ذكر معبوديّته الذاتيّة أرْدَفَها بالمطاعيّة الذاتيّة التي هي من لوازم المعبوديّة الذاتيّة كما سبقت الإشارة إليه، وستعلم في كتاب التوحيد علماً يقينيّاً خالصاً عن شوائب الريب أنّ ما وقع من العصيان والمخالفة إنّما هو بالنظر إلى المشيّة العزميّة التي سيجيء تفسيرها. وأمّا بالنظر إلى المشيّة الحتميّة فمحال أن يعصي اللَّه أحد ويخالفه، وهذا القدر من الإشارة كافية هاهنا.
قوله: (المَرهوبِ لجَلاله [المرغوبِ إليه فيما عنده])
في بعض النسخ بالباء، وأكثر أرباب اللغة كصاحب القاموس والجوهري والمطرزي والزمخشري على أنّ الرهبة تتعدّى بنفسه، والرغبةَ تتعدّى بإلى؛ يقال:
رهبه ورغب إليه. [٤]
[١]. البطش والبطشة: «الأخذ بسرعة و الأخذ بعنف وسطوة». انظر: لسان العرب، ج ٦، ص ٢٦٧؛ مجمع البحرين، ج ٤، ص ١٣٠ (بطش).
[٢]. الحشر (٥٩): ٢٣.
[٣]. الصحيفة السجّاديّة، ص ٢٥٠، الدعاء ٥١. وفيه «أعناقها» بدل «أعناقهم».
[٤]. القاموس المحيط، ج ١، ص ١٧٦؛ الصحاح، ج ١، ص ١٤٠؛ المغرب، ص ١٩٢ و ٢٠٢؛ الفائق في غريب الحديث، ج ٢، ص ٧٠ (رغب- رهب).