الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٨٥ - باب الاضطرار إلى الحجّة
وحبّ الرئاسة الباطلة حملا جماعة على أن غصبوا الخلافة، وصرفوها عن أهلها بالزور والتدليس، ولم يمكّنوهم ممّا نصبوا له من إعلان الحقّ والإفتاء بما أنزل اللَّه تعالى على علمٍ ويقينٍ، كما كان رسول اللَّه ٦ يفعل، واللَّه تعالى أملى لهم بحسب الحكمة الكاملة إلى زمان الخروج.
خروج إمامٍ لا محالة خارج* * * يقوم على اسم اللَّه بالبركات [١]
وليس هذا بمستبعد من الحكمة، كما قال سبحانه: «وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» [٢]، فكما أنّ رسول اللَّه ٦ فرّ من المشركين إلى الغار وكانت الأرض في مدّة غيبته خالية عن حجّةٍ ظاهرةٍ، متمكّنة من دعوة الخلق وتمييز الحقّ من الباطل والهدى من الضلال، ولم يكن للناس على اللَّه حجّة في ذلك لكون عدم الظهور والتمكّن من جهتهم لا من جهة اللَّه تعالى؛ إذ هو سبحانه قد أزاح العلل بنصب من يقوم بالأمر إن مكّنوه؛ فكذلك أئمّتنا : اعتزلوا في زوايا الخمول من استيلاء متغلّبي أعصارهم، ولم يتمكّنوا من إظهار ما أنزل اللَّه على نبيّه ٦، واستحفظه النبيّ ٦ الربّانيّين من أهل بيته، فكانوا مغلوبين مقهورين مبتزّين، يَرَوْن حكم اللَّه مبدّلًا، وكتابه منبوذاً، وشرائعه محرّفة عن جهات إشراعه، وسنن نبيّه متروكة، وكانوا إذا سُئلوا في الواقعات الطارئة عمّا هو حكم اللَّه تعالى فيها أفتوهم على التقيّة في الأكثر، وأوقعوا فيهم الاختلاف عمداً؛ لئلّا يشتهروا بمخالفة أئمّة الجور، فيتضرّروا هم و شيعتهم منهم، ووصل إلينا معاشر أيتام آل محمّد : المنقطعين عنهم من أخبارهم وآثارهم ما اشتبه التقيّة وغير التقيّة، و اضيف إلى ذلك التحريفات والتغييرات من جهة الرواة والنسّاخ، فامتزج الحكم الواقعيّ بغير الواقعيّ، فاضطررنا- من جهة الخلق لا من جهة الخالق- إلى التحرّي والاجتهاد بقدر الوسع والطاقة، ووقع الاختلاف فينا من هذه الجهة، فنحن كمن حبسه ظالم في محبسٍ مظلمٍ لايستطيع أن يستعلم القبلة وأوقاف الصلوات فيتحرّى بقدر الوسع، وليس لأحدٍ أن يحتجّ على اللَّه تعالى بوقوع الإبهام في أحكامه بالنسبة إلى ذلك الشخص المحبوس، وتجويزه تعالى الاختلاف فيها، وأين هذا الاختلاف من اختلاف
[١]. عيون أخبار الرضا، ج ٢، ص ٢٦٥، ح ٣٥؛ كمال الدين، ج ٢، ص ٣٧٢، ح ٦؛ دلائل الإمامة، ص ١٨٣؛ روضة الواعظين، ج ٢، ص ٢٦٨؛ العدد القويّة، ص ٢٩١. وفي كل المصادر: «والبركات» بدل «بالبركات».
[٢]. الأعراف (٧): ١٨٣.