الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٩٩ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
وإلّا لم يكونا اثنين قديمين، فيلزم أن يكون القدماء ثلاثةً وقد فرض اثنان، وهذا خلف، ثمّ يلزم من كونهم ثلاثةً أن يكونوا خمسةً، وهكذا إلى أن يبلغ عددهم إلى ما لانهاية له، وهو محال.
أقول: الأظهر على هذا التقرير أن يحمل الوحدة في قوله ٧: «على أنّ المدبّر واحد» على الأعمّ من الوحدة النوعيّة والشخصيّة، ولو حمل على الشخصيّة يمكن أن يستخرج منه ثلاث حجج بهذا التقرير، ولا يخفى توجيهها.
الرابع: أن يكون إشارةً إلى ثلاث حجج، لكن على وجه آخر، وتقرير الأوّل أنّه لو كان اثنين، فإمّا أن يكونا قويّين، أي مستقلّين بالقدرة على كلّ ممكن ما في نفسه، سواء كان موافقاً للمصلحة أو مخالفاً، وهو إنّما يتصوّر بكونهما قديمين؛ وإمّا أن يكونا ضعيفين، أي غير مستقلّين بالقدرة على ممكن ما في نفسه؛ وإمّا أن يكون أحدهما قويّاً والآخر ضعيفاً. والأوّل محال؛ لاشتماله على التناقض؛ لأنّ كون كلّ منهما قويّاً بهذا المعنى يستلزم أن يكون قويّاً على دفع الآخر عن أن يصدر عنه مراده بعينه أو مثله أو ضدّه في محلّه؛ لأنّ عدم المنافي شرط في صدور كلّ ممكن، وعدم القوّة على الشرط ينافي القوّة على المشروط، ولاشكّ أنّ المدفوع كذلك ضعيف مسخّر، فقوّة كلّ منهما في فعل صدر عنه يستلزم دفعه الآخر فيه وضعف ذلك الآخر، و في فعل تركه حتّى أنّ فعل الآخر ضدّه يستلزم تمكينه الآخر في فعله، وهذا تفرّد بالتدبير.
فالاستفهام في «لِمَ لا يدفع» إنكاريّ، أي معلوم ضرورةَ أنّه لا يدفع كلّ منهما إلّاوينفرد بالتدبير.
وبطلان الشقّ الثالث لكونه مستلزماً لعجز أحدهما، أي ضعفه. وعدمُ كونه ممّن ينتهي إليه شيء من تدبير العالم يستلزم بطلان الشقّ الثاني بطريق أولى.
وتقرير الثاني: أنّه لو كان المدبّر اثنين، فنسبة معلول معلول إليهما إمّا متساوية من جميع الوجوه، بأن لا يكون في واحدٍ منهما ولا في كلّ منهما ما يختصّ به، ويرجّح صدوره عنه على صدوره عن الآخر من الداعي والمصلحة ونحوهما، وإمّا غير متساوية من جميع الوجوه، وكلاهما باطل:
أمّا [بطلان] الأوّل، فلأنّه إمّا أن يكون ترك كلّ منهما لذلك المعلول مستلزماً لفعل الآخر إيّاه لحكمة كلّ منهما أم لا، فعلى الأوّل إحداث أحدهما ذلك المعلول يستلزم الترجيح