الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٥٣ - معنى ديگر بر سبيل احتمال
بالإحسان» لما فيه من بيان المقتضى للإحسان؛ فإنّ في تعليق الحكم على الوصف إيذاناً بأنّه الموجب للحكم.
والسؤال المتّجه في الآية المستدعي للاستئناف قول القائل من اولئك العباد الذين أضافهم اللَّه إلى نفسه تشريفاً لهم وتكريماً، كما في قوله: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» [١]*.
ثمّ أشعر بعلّة التشريف والتكريم بأنّهم امتازوا من بين سائر العباد، وفازوا بمثل هذا الرشاد، ولهذا اجيب بأنّ «أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» [٢]؛ كأنّه قيل: الموصوفون بهذه الصفات جماعة محكوم عليهم بهذين الحكمين، وإنّما ذكر الحكم الأوّل للإشعار بأنّهم فعلوا ما فعلوا لا بحولهم وقوّتهم، بل بهداية اللَّه وتوفيقه.
ثمّ أردفه بالحكم الثاني إيذاناً لجهة القابليّة للهداية بعد ذكر الجهة الفاعليّة. وهذه النكتة ممّا استفدنا من شرح صدر المحقّقين. [٣]
وفي الآية احتمال آخر وهو أن يكون الاستئناف قوله تعالى: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ» لا اولئك، إلّاأنّ ما حرّرناه أوجه.
قوله: (إنّ اللَّهَ أكْمَلَ للناسِ الحُجَجَ بالعقولِ، ونَصَرَ النبيّينَ بالبيانِ). [ح ١٢/ ١٢]
في القاموس: «الحجّ: الغلبة بالحجّة. والحُجّة- بالضمّ-: البرهان» [٤] انتهى.
ولعلّه إنّما سمّي بها البرهان؛ لأنّه يُغلب به على الخصم، ومجيء فُعْلة بمعنى ما يفعل به قياس مطّرد، كالقوّة لما يقوى به، والوصلة لما يوصل به، واللقمة لما يلقم به، ولمّا كان العاقل المنصف إذا رأى أمراً يظهر له به حقّيّةُ دعوى المدّعي خَضَعَ له واستسلم، فقد غلب المدّعي- بالكسر- بذلك الأمر صاحبه، فالأمر حجّة؛ لأنّه ما يغلب به، وكذلك العقل ممّا يغلب به مدّعي الباطل، والنبيّ بما به من آثار النبوّة ممّا يغلب به مَن في الكفر؛ فهما حجّتان.
إذا عرفت هذا، فاعلم أنّه ليس المراد بالحجج هاهنا المعصومين من الأنبياء
[١]. الحجر (١٥): ٤٢؛ الإسراء (١٧): ٦٥.
[٢]. الزمر (٣٩): ١٨.
[٣]. شرح صدر المتألّهين، ص ٢٦.
[٤]. القاموس المحيط، ج ١، ص ١٨٢ (حجج).