الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٥٤ - معنى ديگر بر سبيل احتمال
والأئمّة :، وإلّا لكان مقتضى الاسلوب: «ونصرهم بالبيان» بل المراد بها دقائق الصنع، ولطائف التدبير المودعة في أجزاء العالم، كما ورد في خطبةٍ من خطب أمير المؤمنين ٧ في نهج البلاغة حيث قال: «فصارَ كلُّ ما خَلَقَ حُجّةً له ودليلًا عليه، وإن كانَ خَلقاً صامتاً فحُجَّتُه بالتدبير ناطقةٌ، ودلالتُه على المُبْدِع قائمةٌ» الخطبة. [١]
ولمّا كانت العقول هي المدركة لتلك اللطائف والدقائق، وهي الحاكمة بحجّيّتها، صَحَّ أنّ الحجج كملت بالعقول.
ثمّ اعلم أنّه إنّما يقال: «أكمل لهم الحجّة» إذا كان الغرض إيضاحَها لينتفعوا بها في الإذعان عند الدعوة، والإلزام عند المخاصمة، فإذن يكون المراد بالناس مَن علم اللَّه تعالى انتفاعهم بالحجج، وسبقت لهم من اللَّه الحسنى، ولو كان الغرض إيضاحَها لقطع العذر وسدّ باب الاعتلال لقيل: «أتمّ عليهم الحججَ» لا أكمل لهم، ويشهد بذلك- مضافاً إلى الاعتبار- تتبّعُ موارد الاستعمال.
وقوله ٧: «ونصر النبيّين» على تقدير الفعليّة، معناه أنّه سبحانه أعان أنبياءه على المعاندين عند محاجّتهم إيّاهم بإعطاء البيانات الوافية الملزمة، كما قال عزّ من قائل:
«وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ» [٢].
ويحتمل أن يكون مصدراً مجروراً بالعطف على العقول، والبيان متعلّقاً به، والمعنى أنّ اللَّه تعالى أوضح الحجج لطالبي الحقّ بالعقول الصحيحة التي أعطاهم ليدركوا بها حجّيّتها، وبنصر النبيّين إيّاهم بالبيانات المنبّهة عليها لكي لايغفلوا عنها.
وفي خطبةٍ من خطب نهج البلاغة:
«فبعث فيهم رُسُلَه، وواتَرَ إليهم أنبياءَه، لِيَستأدوهم ميثاقَ فطرته، ويُذَكِّروهم مَنسِيَّ نعمته، ويَحتَجّوا عليهم بالتبليغ، ويُثيروا لهم دفائنَ العقولِ، ويُروهم آثار القدرة [٣] من سَقفٍ فوقَهم مَرفوعٍ، ومهادٍ تَحتَهُم موضوعٍ» الخطبة. [٤]
[١]. نهج البلاغة، ص ١٢٥، الخطبة ٩١.
[٢]. الأنعام (٦): ٨٣.
[٣]. في المصدر: «آيات المَقدرة».
[٤]. نهج البلاغة، ص ٤٣، الخطبة ١.