الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٣٩ - كتاب العقل و الجهل
حمار» بعد قول العابد: «ليس لربّنا حمار» جملة استفهاميّة معطوفة على جملة مقدّرة من باب قوله تعالى: «أَ وَ كُلَّما عاهَدُوا» [١]؛ «أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ» [٢]* كأنّه يقول: قد توافرت في هذه الجزيرة مياه ظاهرة لطيفة، وأعشاب خضرة بهيجة، وألوانٌ من الأزهار والأنوار، وأنواعٌ من الفواكه والثِّمار؛ وهذه نعماء جليلة رزقك الذي رَبّاك، وأحسن إليك بها بعد أن هداك، أوليس لربّك في جملة ماله في هذه الجزيرة من دلائلَ عظيمِ القدرة، وآثارٍ جليل النِّعمة حمار، وهو في جنب تلك النعماء التي أنعمك بها أمرٌ سهلٌ هيّن؟
وهذا الاستفهام ليس على حقيقته في الحقيقة؛ لأنّ العابد أخبر الملك بأن ليس للربّ حمار في هذا المكان، فكيف يستفهم على وجه الحقيقة؟
والظاهر أنّ الملك أظهر به التعجّب من عدم خلق الحمار في ذلك المكان مع شدّة الاحتياج به إليه، على أنّ الغرض من هذا الإظهار المماشاة مع العابد كي يتنبّه من وجه التعجّب، بأنّ من كانت قدرته إلى حيث يصدر منها هذه الآثار العظيمة، ورأفته ورحمته وبرّه وإحسانه إليه بهذه المثابة، فعدم خلق الحمار في هذه الجزيرة ليس من جهة العجز، أو البخل والضنّة، أو السهو والغفلة، بل لحكمة ومصلحة هو أعلم بها، والعابد لضعف عقله لم يفطن بذلك، بل زعم أنّ الملك موافق له في الرأي، ولتصلّبه عليه تعجّب من الإخبار بعدم الحمار، فأخذ يستدلّ عليه وقال: «لو كان له حمار ما كان يضيع هذا الحشيش» وهذا القول دليل بيّنٌ على أنّه حمل قول الملك: «وما لربّك حمار» على الاستفهام التعجّبي. والمستند في استعمال الاستفهام في التعجّب قول المحقّقين من النحاة.
قال ابن هشام في المغني:
قد تخرج الهمزة عن الاستفهام الحقيقي، فترد لثمان معانٍ: التسوية، والإنكار الإبطالي، والإنكار التوبيخي، والتقرير، والتهكّم، والأمر، والتعجّب، والاستبطاء. [٣]
[١]. البقرة (٢): ١٠٠.
[٢]. البقرة (٢): ١٧٠؛ المائدة (٥): ١٠٤.
[٣]. مغني اللبيب، ج ١، ص ١٧- ١٩.