الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٤١ - كتاب العقل و الجهل
وغير الحمار؛ وإنّما أعار بعضها بعضاً، ولمّا لم يتفطّن العابد لمقصوده؛ لقلّة بصيرته، وضعف عقله، وتوهُّمِ أنّه في شكّ من عدم حمار للَّهفي تلك الجزيرة، حاوَلَ أن يخرجه من ذلك الشكّ، فذكر ما زعم أنّه دليل قاطع على ما ادّعاه، وقال: «لو كان له حمار ما كان يضيع هذا الحشيش».
وفي البحار:
يُحتمل أن يكون اللام للاختصاص لا على محض المالكيّة، بل بأن يكون لهذه البهيمة اختصاص بالربّ تعالى كاختصاص بيته به مع عدم حاجته إليه.
ويكون الجواب [الملك]: أنّه لا فائدة لمثل هذا الخلق حتّى يخلق اللَّه حماراً وينسبه إلى جنابه، بخلاف البيت؛ فإنّ فيه حِكماً كثيرة. [١] انتهى.
أقول: الظاهر أنّ قول الملك: «وما لربّك حمار» استفهام إنكاري، فمقتضاه وجود حمار مخصوص للَّهفي تلك الجزيرة؛ لأنّ نفي النفي إثبات، كما في قوله تعالى: «أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ» [٢].
ولو حمل على الإخبار الذي لايخفى بُعده، فينبغي أن يتكلّف ويقدّر فيه تعليل حتّى يتقابل كلاما الملكِ والعابد، فيقالَ: مراد الملك: وما لربّك حمار مختصٌّ بجنابه؛ إذ لا حكمة في وجوده، بخلاف البيت المختصّ، فيكون كلام العابد: «لو كان له حمار ما كان يضيع هذا الحشيش» إثباتَ حكمة في خلقه.
وعلى هذا كان العمدة في جزئي كلامِ الملك هو الجزء الثاني، فتقدير ذلك الجزء والاقتصار على ذكر الجزء الأوّل ليس على ما ينبغي كما لايخفى.
وقد بسطنا الكلام في شرح هذا الخبر في المثنوي الذي سمّيته ب «نان و پنير» محتذياً بالمثنوي الذي للشيخ الأعظم بهاء الملّة والدين العاملي- (قدّس اللَّه روحه)- المسمّى ب «نان و حلوا» وإذ كان مشتملًا على أسئلة وأجوبة لطيفة في سبكٍ حسن أحببتُ إيراده هاهنا:
حكايت عابد بنى اسرائيل كه در جزيرهاى از جزاير بحر، عبادت بسيار مىكرد و بسبب ضعف عقل، ترقّى نمىنمود.
[١]. بحار الأنوار، ج ١، ص ٨٥.
[٢]. الزمر (٣٩): ٣٦.