الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٢
..........
يرون أن قوله: و الراسخون معطوف على ما قبله، و أنهم عالمون بالتأويل، و يحتجون بما يطول ذكره من أثر و نظر، و الذي أرتضيه من ذلك مذهب ثالث، و هو الذي قاله ابن إسحاق فى هذا الكتاب، و معناه كلّه أن الكلام قد تمّ فى قوله: و ما يعلم تأويله إلا اللّه. و الراسخون فى العلم: مبتدأ، لكن لا نقول: إنهم لا يعلمون تأويله. كما قالت الطائفة الأولى، و لكن نقول:
إنهم يعلمونه بردّ المتشابه إلى المحكم، و بالاستدلال على الخفيّ بالجلىّ، و على المختلف فيه بالمتّفق عليه، فتنفذ بذلك الحجّة، و يزاح الباطل، و تعظم درجة العالم عند اللّه تعالى، لأنه يقول: آمنت به كلّ من عند ربّى فكيف يختلف؟! و لما كان العلمان مختلفين: علم اللّه، و علم الراسخين فى العلم لم يجز عطف: «الراسخون» على ما قبله، فاللّه يعلم تأويله العلم القديم [١]
- لصفات اللّه و أسمائه، هو نفس ما هو عليه سبحانه، و ما هو موصوف به من الصفات، فإن أحدا لا يعلم شيئا من هذا، و لا يستطيعه حتى الراسخون فى العلم.
أما إذا كان بمعنى التفسير و البيان، فالراسخون يعلمون، كتفسير الاستواء بعلو العلى الغفار، و إذا كان التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره بقرينة مزعومة فهو معنى باطل كأريل الاستواء بالاستيلاء، و خرج صاحب هذا التأويل فى زعمه من شنيع إلى ما هو أشد شناعة و غلظا فيها، و ما فى إخبار اللّه عن نفسه بأنه استوى أثارة من شناعة. و إلا حكمنا على ربنا بأنه لا يحسن البيان، أو بأنه يخبر عن نفسه بما ليس لوجوده أو لمعناه حقيقة، أو يخبر عن نفسه بما فيه شناعة، و أما فى الإخبار عنه بأنه استولى ففيه ما فيه، فيه بهت اللّه بما لم يقله، فيه الحكم على اللّه بأنه غلب يوما على أمره، فالاستيلاء يفيد المغالبة، فيه الزعم بأننا أحسن بيانا من اللّه فى التعبير عن صفاته. و معاذ اللّه جل شأنه
[١] لم يرد لا فى القرآن، و لا فى الحديث الصحيح وصف علم اللّه بهذه الصفة التي لا توحى إلا بالعفونة.