الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٢٣٧
..........
بعض الفقهاء، قال: إذا كان المسلمون اثنا عشر ألفا لم يجز لهم الفرار من ثلاثة أمثالهم، و لا من أكثر من ذلك، لقوله (عليه السلام): لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلّة، و قد كان وقوف الواحد إلى العشرة حتما فى أول الأمر، ثم خفف اللّه ذلك و نسخه بقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ، وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً الآية، كذلك روى عن ابن عباس، و هو قول العلماء، و لكن لا يتبيّن فيه النّسخ، لأن قوله إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ إلى آخر الآية خبر، و الخبر لا يدخله النّسخ، و قوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ يدل على أن ثمّ حكما منسوخا، و هو الثّبوت للعشرة، فإذا للآية ظهر و بطن، فظاهرها خبر، و وعد من اللّه تعالى أن تغلب العشرة المائة، و باطنها وجوب الثّبوت للمائة، و يدل على هذا الحكم قوله: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ فتعلّق النسخ بهذا الحكم الباطن، و بقى الخبر وعدا حقّا قد أبصره المؤمنون- عيانا فى زمن عمر بن الخطاب، و فى بقية خلافة أبى بكر فى محاربة الروم و فارس بالعراق و بالشام، ففى تلك الملاحم هزمت المئون الآلاف من المشركين، و قد هزم خالد بن الوليد مائة ألف حين إقباله من العراق إلى الشام و لم يبلغ عسكره خمسة آلاف، بل قد رأيت فى بعض فتوح الشام أنه كان يومئذ فى ألف فارس، و كان قد أقبل من العراق مددا للمسلمين الذين بالشام، و كان الرّوم فى أربعمائة ألف، فلقى منهم خالد مائة ألف ففضّ جمعهم
- لأبى يعلى و الماوردى. و قد قال الخرقى «لا يجوز للمسلم أن يهرب من كافرين، و مباح له أن يهرب من ثلاثة فإن خشى الأسر قاتل حتى يقتل» ص ٣٠ الأحكام السلطانية لأبى يعلى ط ١٣٥٦ ه.