الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤٨
..........
و لو أراد ذلك لقال: انقل حمّاها، و لم يخصّ موضعا، أو كان يخصّ بلاد الكفر، و ذلك- و اللّه أعلم- لأنه قد نهى عن سبّ الحمّى و لعنها فى حديث أم المسيّب [١] و أخبر أنها طهور، و أنها حظّ كلّ مؤمن من النار [٢]،
[١] روى مسلم فى صحيحه عن جابر أنه (صلى الله عليه و سلم) دخل على أم السائب، أو أم المسيب، فقال: «مالك تزفزفين؟ قالت الحمى، لا بارك اللّه فيها، فقال: لا تسبى الحمى، فانها تذهب خطايا بنى آدم كما يذهب الكير خبث الحديد» و فى رواية: ترفرفين. و المعنى متقارب. فالمقصود: الرعدة التي تحصل للمحموم. و من البين هنا أن أم المسيب قالت: لا بارك اللّه فى الحمى، فهو دليل ضيق نفس و برم بالحمى، فأريد لها اللياذ بالصبر و الجلد. بدليل ما ورد. حديث رواه الطبرانى عن فاطمة الخزاعية أنها قالت: «عاد النبيّ «ص» امرأة من الأنصار، و هى وجعة، فقال: لها: كيف تجدينك؟ قالت: بخير، إلا أن أم ملدم قد برحت بى، فقال النبيّ «ص»: اصبرى، فإنها تذهب خبث ابن آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد» و أم ملدم كنية الحمى و الميم الأولى مكسورة زائدة.
و ألدمت عليه الحمى: دامت، و بعضهم يقولها بالذال المعجمة.
[٢] ورد ذلك فى حديث رواه أحمد «الحمى كير من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من جهنم» و عند الطبرانى «الحمى من فيح جهنم و هى نصيب المؤمن من النار» و ورد وصفها بأنها طهور فى حديث رواه أحمد و ابن حبان و الطبرانى قيل فيه إن أم ملدم- و هى الحمى استأذنت على رسول اللّه «ص» فأمر بها إلى أهل قباء، فأصابهم منها عنت شديد، فشكوا إلى النبيّ «ص»، فقال: ما شئتم: إن شئتم دعوت اللّه، فكشفها عنكم، و إن شئتم أن تكونوا لكم طهورا؟ قالوا:
أو تفعله؟ قال: نعم قالوا: فدعها».
و أقول: لا يتصور مسلم فى رسول اللّه «ص»- و هو بالمؤمنين رءوف رحيم كما وصفه اللّه- يطلب من اللّه أن ينقل مثل هذا المرض الذي يرهق، و يوهن من قوة الجماعة الإسلامية إلى بلد إسلامية أبدا. و تدبر أن اللّه قال له-