الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٣
..........
لا بتذكّر، و لا بتفكّر، و لا بتدقيق نظر، و لا بفحص عن دليل، فلا يعلم تأويله هكذا إلا اللّه. و الراسخون فى العلم يعلمون تأويله بالفحص عن الدليل، و بتدقيق النظر و تسديد العبر، فهم كما قال اللّه تعالى: وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ و هذا معنى كلام ابن إسحاق فى الآية.
احتجاج القسيسين للتثليث:
فصل: و ذكر احتجاج الأحبار و القسّيسين من أهل نجران بقوله عز و جل:
خلقنا و أمرنا و أشباه ذلك، و قالوا هذا يدل على أنه ثالث ثلاثة تعالى اللّه عن قولهم، و هذا من الزّيغ بالمتشابه، دون ردّه إلى المحكم نحو قوله:
وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ و: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و العجب من ضعف عقولهم: كيف احتجّوا على محمد بما أنزل على محمد، و هو أعلم بمعنى ما أنزل عليه، لأن هذا اللفظ الذي احتجوا به مجاز عربى، و ليس هو لفظ التّوراة و الإنجيل، و أصل هذا المجاز فى العربية أن الكتاب إذا صدر عن حضرة ملك كانت العبارة فيه عن الملك بلفظ الجمع دلالة على أنه كلام ملك متبوع على أمره، و قوله، فلما خاطبهم اللّه تعالى بهذا الكتاب العزيز أنزله على مذاهبهم فى الكلام، و جاء اللفظ فيه على أسلوب الكلام الصّادر عن حضرة الملك، و ليس هذا فى غير اللسان العربى، و لا يتطرق هذا المجاز فى حكم العقل إلى الكلام القديم، إنما هو فى اللفظ المنزّل، و لذلك نجده إذا أخبر عن قول قاله لنبى قبلنا، أو خاطب به غيرنا نحو قوله: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ و لم يقل: خلقنا بأيدينا، كما قال: مما عملته أيدينا، و قال حكاية عن وحيه لموسى: وَ لِتُصْنَعَ عَلى