الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١٧٦
..........
الْعُمْيَ أى: إن اللّه هو الذي يهدى و يوفق و يوصل الموعظة إلى آذان القلوب، لا أنت، و جعل الكفار أمواتا و صمّا على جهة التشبيه بالأموات، و بالصّمّ، فاللّه هو الذي يسمعهم على الحقيقة، إذا شاء لا نبيّه، و لا أحد، فإذا لا تعلّق بالآية من وجهين، أحدهما: أنها إنما نزلت فى دعاء الكفار إلى الإيمان.
الثانى أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، و صدق اللّه فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو، و يفعل ما شاء و هو على كل شيء قدير [١].
[١] ليس الأمر هنا أمر حضور السيدة عائشة القصة أو عدم حضورها، و إنما الأمر عقيدة تتعلق بعالم الغيب، و يفرض على كل معرفتها للايمان بها عن بينة. و السيدة عائشة رضى اللّه عنها، و إن لم تكن قد حضرت القصة، فالرواية تؤكد أنها علمت بها مشافهة عن النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، بدليل توكيدها الكلام، و قد كانت حقا كما وصفها الإسماعيلى «كان عند عائشة من الفهم و الذكاء و كثرة الرواية و الغوص على غوامض العلم ما لا يزيد عليه» و لعلها سمعت هذا الحديث يردد، فسألت عنه الرسول (صلى الله عليه و سلم)، فعلمت منه ما قاله حينئذ، فنفت ما نفت، و أثبتت ما ثبتت و الآية القرآنية التي استشهدت بها نص قاطع فى النفى الذي قالت به السيدة عائشة، و على فرض صحة أن الآية فيها مجاز، و أنها تنفى السماع عن الكفار المشبهين بمن فى القبور، أقول: على فرض صحة هذا، فإن هذا التفسير يؤكد صحة فهم السيدة عائشة توكيدا قويا، فلولا ثبوت أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) لا يسمع من فى القبور ما صح تشبيه الكفار بالموتى فكأن المعنى إن هؤلاء الكفار كالموتى، و أنت لا تسمع الموتى، و هم فى قبورهم فكذلك لا تستطيع إسماع هؤلاء، و لكن ما ذا يقول السهيلى فى قوله سبحانه: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى، وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَ ما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ فهنا موتى و صم، و قد نفى اللّه إسماع نبيه للصنفين، و فى هذا تصويب لفهم السيدة-