التربية عند أئمة أهل البيت عليهم السلام - الغرابي، مها نادر عبد محسن - الصفحة ٣٤١ - ٤- حق الحرية
ففي هذا الخطاب يفتح الإمام باب حرية الرأي على مصراعيه وكذلك النقد والمحاسبة أمام جماهير الامة، بل إنّ الإمام يدعو إلى توفير الامن للمجاهرين بالحق ويجعل من تقبل الرأي الآخر دعوة لمراجعة الذات بخصوص الحاكم وتصحيح الخطأ وتغير مسيرة العمل نحو الحق والعدل. وفي مناسبة أخرى، يمجد الإمام الداعين للحق بقولهم وفعلهم، ويطالب بمعاملتهم، بأقصى سبل الاحترام كونهم المرآة الكاشفة عن مواطن الضعف في العملية السياسية([٩٧٩]).
ففلسفة الثورة الحسينية ومثلها وقيمها وأهدافها طلب الحرية والكرامة الإنسانية المفقودة من خلال تولي الطغاة والذين همهم إستعباد الإنسان وسلب آدميته وسحقها بالامتثال لإمرة الحاكم. فالحرية إذاً سلاح ماض لتحطيم قيم الكراهية والأحقاد, واداة ناجحة لترسيخ قيم التسامح والعفو. لأنّها تفسح المجال أمام الحقائق لتعبر عن نفسها فيكتشفها الناس بانفسهم، ولا يبقى ما يدعو للاقصاء والتهميش وترك الاعتراف، بل كثير من الأفكار والعقائد المولدة للكراهية والحقد، ستتهاوى حينما يطالها النقد العلمي الحر البناء. فالفصام الموجود بين المذاهب الإسلامية مثلاً أصله تراكمات تأريخية أعطت بعض الأحداث بعداً فكرياً وفلسفياً وعقدياً. وحولت النزاع السياسي إلى تباين عقدي وفكري وفقهي، طالما انتهى إلى التكفير والاقصاء عن الدين والحقيقة. ولو أتيح الهامش من الحرية يسمح بتناول المفردات العقدية والتأريخية، المنتجة للتعصب، بشكل حر لتبين أنّ كثيراً منها أوهام وأكاذيب وفبركات اقتضتها المصالح الايديولوجية، ولا تضح أيضاً أنّ الخلافات التأريخية لا تقتضي هذا القدر من العداء والحساسية، وإنّما ثمة خلافات سياسية واجتهادية لم تبلغ تخوم التحدي للشريعة الإسلامية. ومن ثمّ فإنّ
[٩٧٩] السعد: حقوق الإنسان عند الإمام علي عليه السلام, ص١٣٩.