التربية عند أئمة أهل البيت عليهم السلام - الغرابي، مها نادر عبد محسن - الصفحة ٤٦ - تمهيد
رؤاها، وبين لها معالم الطريق، وعرفها على سبيل الغي والرشاد، وحذر وأنذر، وهدد ووعد، وقدم الضمانات كلها لانقاذها من اللبس وانتشالها من أوحال الجاهلية، وتقويم بناها، وتسديد مسيرتها إلى يوم القيامة([٦٢]). القرآن - هذا الكتاب السماوي الذي أنزل للبشرية - قد ربّى نماذج رائعة عبر الأجيال وجعلها نجوماً تلمع في سماء الإنسانية وتمنح تأريخها معنى عميقاً، وتبعث الحياة والثورة في الأُمم المؤمنة. كما نجد سلطاناً عجيباً ونفوذاً مدهشاً لآيات الكتاب العزيز على قلوب المؤمنين، فيحولها تحويلاً عظيماً ويغيرها تغييراً كبيراً، بل إنّها كانت على طوال خط التأريخ منشأ للتأمل والإبداع والتفكر والعطاء الذي يغذي المسيرة الإنسانية، وما أكثر المفكرين والقادة والمرشدين الذين انتهلوا من سلسبيله العذب وارتووا من نميره الصافي. ولم يكن القرآن كتاباً وموعظة فحسب، يعظ الناس ويصب لهم قضايا الحياة في قوالب نظرية ذهنية مجردة جامدة، أبداً, إنّما يصور لنا الواقع، ويعرض القيم والتعاليم بصدق وصراحة وواقعية - وهذه من أهم خصائص النظام التربوي في القرآن - من خلال نماذج حية عاشت في المجتمع، ويجسد لنا الفضيلة والخير في شخصيات نطق سلوكها بذلك حتى صارت مثالاً عليه، ويقدم برنامجاً واقعياً متكاملاً قائماً على أساس الفطرة ومعرفة الإنسان ويحدد المواقف في القضايا الاساس جميعها التي يبتلى بها الإنسان في حياته([٦٣]). كما في قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)([٦٤]).
[٦٢] فرهاديان, محمد رضا: أسس التربية والتعليم في القرآن والحديث, تعريب – سيد علي أشرف, قم, مكتب الإعلام الإسلامي, ط١, ١٩٩٥, ص١٠.
[٦٣] المصدر نفسه, ص١٣.
[٦٤] سورة النحل, آية: ٨٩.