التربية عند أئمة أهل البيت عليهم السلام - الغرابي، مها نادر عبد محسن - الصفحة ١٩٤ - ٤- الزهد
والمنقطعين إلى الله والراضين عن الله والمتوكلين على الله تعالى، فمن لم يحكم أساسه في الزهد لم يصح له شيء مما بعده؛ لأنّ حب الدنيا رأس كل خطيئة، والزهد في الدنيا رأس كل خير وطاعة. والزهاد على ثلاث طبقات: فمنهم المبتدئون، وهم الذين خلت أيديهم من الأملاك وخلت قلوبهم مما خلت منه أيديهم، ومنهم المتحققون في الزهد، وهم الذين تركوا حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا، وإنّما كان هذا زهد المتحققين؛ لأنّ الزهد في الدنيا فيه حظ للنفس هو الثناء والمحمدة واتخاذ الجاه عند الناس، فمن زهد بقلبه في هذه الحظوظ فهو متحقق في زهده، وأما الثالثة: فهي التي تزهد في الزهد، متمثلة في القول: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس"([٥١٣]).
ويقول (الغزالي): "إنّ الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين وينتظم هذا المقام من علم وحال وعمل كسائر المقامات لأنّ أبواب الإيمان كلها ترجع إلى عقد وقول وعمل وكأنّ القول لظهوره أقيم مقام الحال إذ به يظهر الحال الباطن وإلاّ فليس القول مراد لعينه وإن لم يكن صادراً عن حال سمي إسلاماً ولم يسم إيماناً والعلم هو السبب في حال يجرى مجرى المثمر والعمل يجري من الحال مجرى الثمرة"([٥١٤]).
ويمكن أن تجتمع الرغبة والزهد مع كثير المال والجاه، قيل لاحد العظماء:
إنّك تدعي الزهد ولديك هذا العدد من حظائر الخيل والبغال؟
فقال: لقد غرزت مساميرها في الطين لا في القلب([٥١٥]).
[٥١٣] مبارك, زكي: التصوف الإسلامي في الاداب والأخلاق, ص٥٠٧.
[٥١٤] الغزالي: احياء علوم الدين, ج٤, ص٢١١.
[٥١٥] الكاشاني: العرفان والسلوك عند اهل البيت عليهم السلام, ص١٥٨.