ومضات السبط (ع) - الفتلاوي، علي - الصفحة ٧٤ - استخلص الوحدانية والجبروت
استخلص الوحدانية والجبروت
عند الوقوف على هذه العبارات الحسينية التي نطق بها لسان العصمة، وصرح بها عقل الإمامة تلمس المعاني الملكوتية التي تسمو بسامعها إلى سحاب الحكمة وشمس الحقيقة الإلهية التي تحار العقول في معرفة كنهها وتعجز الألباب عن الإحاطة بها، وأنى لغير عنوان العصمة وسليل النبوة ومعدن العلم أن يقف على عمق هذه المفردات؟ إلاّ أن ذلك لا يمنع عن بيان ما وصلت إليه الأفهام وأدركته العقول فأقول:
تقدم بيان المعنى اللغوي لمفردة الوحدانية في شرح المعنى العام، فلذا نعطف الكلام على بيان المعنى الاصطلاحي للمفردة فتأتي الوحدانية بعدة معاني كلها تنطبق على الذات المقدسة، فتارة بمعنى لا نظير له ولا شبيه، وأخرى بمعنى الذات البسيطة التي لا تركيب فيها ولا أجزاء لها، وثالثة بمعنى المعبود الذي لا معبود سواه، ويترسخ معنى الوحدانية في عقولنا.
عندما نتأمل هذا الكون الفسيح وهذه الموجودات الممكنة التي تنصور كأنها مجموعة واحدة لما فيها من ارتباط وتناسب وهذا بدوره يدل على أن صانعها ومدبرها واحد لا أحد سواه، وعند التفكر والنظر في معنى الإله لا يظهر لنا إلا معنى واحداً وهو أن الإله هو الموجود الغني مطلقاً، وهذا المعنى ينفي بدوره تعدد الإله، ولكي ندرك المعنى لابد من توضيح البرهانين فنقول: (وجدت في هذا الكون موجودات مرتبطة بعضها ببعض أي لا تستطيع الاستغناء عن بعضها البعض فلو ضربنا مثلا نقول: لكي يتغذى الإنسان لابد من وجود نبات مثمر وهذا النبات يحتاج إلى أرض وماء وهواء وعوامل أخرى لكي يعطي ثماره وإلا لو فقد عامل من هذه العوامل لما وجد النبات ولما تغذى الإنسان ولما تحققت غاية الخلقة التي هي العبادة لله الواحد الأحد (وما خلقت الجن والإنسان إلا ليعبدون) فيظهر مما تقدم لابد من وجود ترابط بين الموجودات بل هو من سماتها دل هذا بدوره على أن صانعها ومدبرها واحد لا أحد