كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٧٤ - الثامن في ذكر شيء من كلامه
تنفر منه القلوب، و تغضّ دونه الأبصار.
أيها الناس من جاد ساد، و من بخل رذل، و إنّ أجود الناس من أعطى من لا يرجو، و إنّ أعفى الناس من عفى عن قدرة، و إنّ أوصل الناس من وصل من قطعه، و الأصول على مغارسها بفروعها تسمو، فمن تعجّل لأخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا، و من أراد اللّه تبارك و تعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته، و صرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه، و من نفّس كربة مؤمن فرّج اللّه عنه كرب الدنيا و الآخرة، و من أحسن أحسن اللّه إليه و اللّه يحبّ المحسنين.
قلت: هذا الفصل من كلامه (عليه السلام) و إن كان دالّا على فصاحته و مبيّنا على بلاغته فإنّه دالّ على كرمه و سماحته و جوده و هبته، مخبر عن شرف أخلاقه و سيرته و حسن نيّته و سريرته، شاهد بعفوه و حلمه و طريقته، فإنّ هذا الفصل قد جمع مكارم أخلاق لكلّ صفة من صفات الخير فيها نصيب، و اشتمل على مناقب عجيبة و ما اجتماعها في مثله بعجيب.
و خطب (عليه السلام) فقال:
إنّ الحمل زينة، و الوفاء مروءة، و الصلة نعمة، و الاستكبار صلف (١)، و العجلة سفه، و السفه ضعف، و الغلوّ ورطة، و مجالسة أهل الدناءة شرّ، و مجالسة أهل الفسق ريبة.
و لمّا قتل معاوية حجر بن عدي رحمه اللّه و أصحابه، لقى في ذلك العام الحسين (عليه السلام) فقال: يا أبا عبد اللّه هل بلغك ما صنعت بحجر و أصحابه من شيعة أبيك؟ قال: لا، قال:
إنّا قتلناهم و كفنّاهم و صلّينا عليهم، فضحك الحسين (عليه السلام) ثمّ قال: خصمك القوم يوم القيامة، يا معاوية أما و اللّه لو ولينا مثلها من شيعتك ما كفنّاهم و لا صلّينا عليهم (٢)، و قد بلغني وقوعك بأبي حسن و قيامك به و اعتراضك بني هاشم بالعيوب، و أيم اللّه لقد
(١) الصلف: مجاوزة القدر في الظرف، و البراعة و الادّعاء فوق ذلك تكبّرا.
(٢) كأنّ مراده (عليه السلام) أنّك بفعالك هذا فقد أقررت بأنّهم مسلمون مؤمنون قتلتهم جورا و ظلما، و لكن شيعتك خارج عن زمرة المسلمين و المؤمنين عندنا فإنّ المسلم يجب تغسيله و تكفينه و الصلاة عليه إذا مات و لو كان مرتكبا للكبائر.