كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٨٠ - في وصف زهده في الدنيا و سنّته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
و كلامه (عليه السلام) في الدنيا و صفتها و التنبيه على أحوالها و معرفتها و كثرة خدعها و مكرها، و تنوّع افسادها و غرّها و إيلامها بنيها و ضرّها كثير جدّا، و هو موجود في تضاعيف الكتب، و في نهج البلاغة فيستغني بما هناك عن ذكرها هنا لئلّا تخرج من غرض الكتاب، و لما علمه من حال الدنيا رفضها و تركها، و ترفع عنها و فركها، و عاملها معاملة من لم يدركها حين أدركها، و خاف على نفسه أن تتورط في مهاويها، فما انتهجها و لا سلكها، و خشي أن تملكه بزخارفها فلم يحفل بها لمّا ملكها، و احترز من آلامها و آثامها، و خلص من أمراضها و أسقامها، و عرفها تعريف خبير بحدّها و رسمها، و أنزلها على حكمه و لم ينزل على حكمها (١)، فصار زهده مسألة إجماع لا شكّ فيه و لا إنكار، و ورعه ممّا اشتهر في النواحي و الأقطار، و عبادته و نزاهته ممّا أطبق عليه علماء الأمصار، و هو الذي فرّق بيت المال على مستحقّيه و قال:
هذا جناي و خياره فيه * * * إذ كلّ جان يده إلى فيه (٢)
و كان يرشّه و يصلّي فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة.
قال هارون بن عنترة قال: حدّثني أبي قال: دخلت على علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالخورنق (٣) و هو يرعد تحت سمل قطيفة (٤)، فقلت: يا أمير المؤمنين إنّ اللّه تعالى قد جعل لك و لأهل بيتك في هذا المال ما يعم و أنت تصنع بنفسك ما تصنع؟ فقال: و اللّه ما أرزاكم (٥) من أموالكم شيئا و إنّ هذه لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي من المدينة ما عندي غيرها.
و من هذا إنّ سودة بنت عمارة الهمدانية دخلت على معاوية بعد موت علي فجعل يؤنّبها على تحريضها عليه أيّام صفين و آل أمره إلى أن قال: ما حاجتك؟ قالت:
إنّ اللّه مسائلك عن أمرنا و ما افترض عليك من حقّنا، و لا يزال يقدم علينا من قبلك من يسمو بمكانك و يبطش بقوّة سلطانك، فيحصدنا حصيد السنبل و يدوسنا دوس الحرمل، يسومنا الخسف و يذيقنا الحتف، هذا بسر بن أرطاة قدم علينا فقتل رجالنا
(١) يعني جعل (عليه السلام) الدنيا محكوما لحكمه و لم يجعل نفسه محكوما لحكمها.
(٢) مرّ معناه آنفا فراجع.
(٣) موضع بالكوفة.
(٤) السمل: الخلق من الثياب، يقال: ثوب أسمال كما قالوا رمح أقصاد، و القطيفة: ما له خمل.
(٥) رزأه ماله: نقصه.