كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٦٥ - السادس في علمه و شجاعته و شرف نفسه
على كثرة أعدائه و قلّة أنصاره صبر أبيه (عليه السلام) في صفّين و الجمل، و مشرب العداوة واحد، فيفعل الأوّل فعل الآخر ما فعل، فكم من فارس مدلّ ببأسه جدّله (عليه السلام) فانجدل، و كم من بطل طلّ دمه فبطل، و كم حكم سيفه فحكم في الهوادي و القلل، فما لاقى شجاعا إلّا و كان لأمّه الهبل، و حشرهم اللّه و جازى كلّا بما قدّم من العمل، و إذا علمت أنّ شعار الحسين (عليه السلام) و أصحابه أعل يا حق، و شعار أعدائه: أعل هبل، علمت أنّ هؤلاء في نعيم لا يزول و أولئك في شقاء لم يزل، و كما قتل أبوه و انتقل إلى جوار ربّه قتل هو و انتقل، و كان له عند اللّه مرتبة لا تنال إلّا بالشهادة فتمّ له ما أراد و كمل، و باء قاتلوه بنار اللّه المؤصدة في الآخرة و لا يهدي اللّه من أضل، و ما سلموا من آفات الدنيا بل عجّلت لهم العقوبة فعمّت من رضي و من خذل و من قتل، فتبّا لآرائهم الغائلة و عقولهم الذاهلة فلقد أعماهم القضاء إذ نزل، و ختم اللّه على قلوبهم و سمعهم و أبصارهم فما لهم فيه قول و لا عمل، و قبحا و شقحا (١) لتلك القلوب التي غطاها الرين فلم تفرق بين ما علا و استفل، و سوأة لتلك الوجوه التي شوّهها الكفر و الفسوق و العصيان و سوّدها الخطأ و الخطل، و سبة لتلك الأحلام الطائشة التي عذلت لإنكارها الحق بعد معرفة فسبق السيف العذل، و غطّى على بصائرها حب الدنيا الدنيّة فمالت إلى العاجل ففاتها الآجل و العاجل ما حصل، و كيف لا تصدر عنهم هذه الأفعال و كبيرهم المدعوّ بأمير مؤمنيهم استشهد بشعر ابن الزبعري فكأنّما بده به و ارتجل:
ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * وقعة الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا و استهلّوا فرحا * * * و استحرّ القتل في عبد الأشل (٢)
لعبت هاشم بالملك فلا * * * خبر جاء و لا وحي نزل
و الناس على دين ملوكهم كما ورد في الحديث و المثل.
فلقد ركبوا مركبا و عرا، و أتوا أمرا إمرا، و فعلوا فعلا نكرا، و قالوا قولا هجرا، و استحلّوا مزاقا مرّا، و بلغوا الغاية في العصيان، و وصلوا إلى النهاية في إرضاء الشيطان، و أقدموا على أمر عظيم من إسخاط الرحمن، و كم ذكّرهم الحسين (عليه السلام) أيّام
(١) قبحا و شقحا: أتباع و قيل معناهما واحد.
(٢) و روي البيتان الأولان في أكثر المقاتل كما يلي:
ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا و استهلّوا فرحا * * * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل