كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٣٣ - فصل في فضائل الإمام علي و علمه
و دروس مضمونه مفرحة للكرام الكاتبين، و غروس مستودعه من مستحسنات حسنات المقرّبين، يعظم عند التحقيق قدر وقعه، و يعمّ أهل التوفيق شمول نفعه، و يتم أجر مؤلفه بجمعه، و هو لمن وقف عليه قيد بصره و سمعه، و لم أورد فيه ما يصل إليه وارد الاضطراب، و لا أودعته ما يدخل عليه زائد الارتياب، و لا ضمّنه غثا تمجّه أصداف الأسماع (١)، و لا غثاء تقذفه أصناف الألباب، بل مرتّب له أخلاف رواية الخلف عن السلف، حتّى اكتنف بزبد الأوطاب (٢)، و نظمت فيه جواهر درّ صرّحت بها ألسن السنن، و نطقت بها آيات الكتاب، و قرّرته بأدلّة نظر محكمة الأسباب بالصواب، هامية السحاب بالمحاب، و مفتّحة الأبواب للطلّاب، مثمرة إن شاء اللّه لجامعها جميل الثناء، و جزيل الثواب، فمن ذلك قوله تعالى و تقدّس: لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (٣).
(روى الإمام أبو إسحاق إبراهيم الثعلبي في تفسيره) يرفعه بسنده قال: لمّا نزلت هذه الآية وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعلي (عليه السلام): سألت اللّه أن يجعلها أذنك يا علي، قال علي: فما نسيت شيئا بعد ذلك، و ما كان لي أن أنسى.
و روى الثعلبي و الواحدي كلّ واحد منهما يرفعه بسنده الثعلبي في تفسيره و الواحدي في تصنيفه الموسوم ب (أسباب النزول) إلى بريدة الأسلمي قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول لعلي: إنّ اللّه أمرني أن أدنيك و لا أقصيك، و أن أعلّمك و أن تعي، حقّ على اللّه أن تعي، قال: فنزلت: وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ.
و من ذلك قوله تعالى: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (٤).
رواه المذكوران في تفسيرهما أنّها نزلت في عليّ (عليه السلام) و في الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لامّه، و ذلك أنّه كان بينهما تنازع في شيء، فقال الوليد لعلي (عليه السلام): أسكت فإنّك صبي و أنا و اللّه أبسط منك لسانا، و أحدّ سنانا، و أملأ للكتيبة منك. فقال علي (عليه السلام):
اسكت فإنّك فاسق، فأنزل اللّه سبحانه تصديقا لعلي: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً
(١) مجّ الشراب و الشيء من فيه: رمى به. و قولهم «هذا كلام تمجّه الأسماع» أي تقذفه و تستكرهه إنّما هو على الاستعارة من مجّ الشراب.
(٢) الزبد- كصرد-: ما يستخرج من اللبن بالمخض. و الأوطاب جمع الوطب: الثدي.
(٣) الحاقة: ١٢.
(٤) السجدة: ١٨.