كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٧٩ - في وصف زهده في الدنيا و سنّته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
و تورده موارد وبالها، فصاحبته هدنة على دخن (١)، و ابتلته بأنواع المحن، و جرت في معاداته على سنن، و غالته بعده في ابنيه الحسين و الحسن، و هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يزداد على شدّة اللأواء (٢) إلّا صبرا، و على تظاهر الأعداء إلّا حمدا و شكرا، مستمرّا في ذات اللّه، شديدا على أعداء اللّه، و أوفى بأولياء اللّه، شاكرا لآلاء اللّه، مستمرّا على طريقة لا يغيرها، جاريا على وتيرة لا يبدلها، آخذا بسنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يحول عنها، مقتفيا لآثاره لا يفارقها، واطيا لعقبه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يجاوزها، حتّى نقله اللّه إلى جواره و اختار له دارا خير من داره، فمضى محمود الأثر مشكور الورد و الصدر، مستبدلا بدار الصفا من دار الكدر، قد لقى محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بوجه لم يشوهه التبديل، و قلب لم تزدهه الأباطيل.
قال علي (عليه السلام) يوما و قد أحدق به الناس: احذّركم الدّنيا فإنّها منزل قلعة و ليست بدار نجعة (٣)، هانت على ربّها فخلط شرّها بخيرها و حلوها بمرّها، لم يصفها لأوليائه و لم يضنّ بها (٤) على أعدائه، و هي دار ممرّ لا دار مستقر، و النّاس فيها رجلان:
رجل باع نفسه فأوبقها، و رجل ابتاع نفسه فأعتقها، إن اعذوذب (٥) منها جانب فجلا أمرّ منها جانب فأوبى (٦)، أوّلها عناء و آخرها فناء، من استغنى فيها فتن، و من افتقر فيها حزن، و من ساعاها فاتته، و من قعد عنها أتته، و من أبصرها بصرته، و من أبصر إليها أعمّته، فالإنسان فيها غرض المنايا مع كلّ جرعة شرق (٧)، و مع كلّ أكلة غصص، لا ينال منها نعمة إلّا بفراق أخرى.
(١) الهدنة- بالضم-: السكون و المصالحة، و الدخن- محركة-: الحقد. و قولهم «هدنة على دخن» أي صلح على فساد و سكون لعلّة لا لصلح.
(٢) اللأواء: الشدّة و المحنة.
(٣) قال ابن أبي الحديد: قوله (عليه السلام) «فإنّها منزل قلعة» بضمّ القاف و سكون اللام أي ليست بمستوطنة، و يقال: هذا مجلس قلعة إذا كان صاحبه يحتاج إلى أن يقوم مرّة بعد مرّة، و يقال: هم على قلعة أي على رحلة، و من هذا الباب قولهم فلان قلعة إذا كان ينقلع عن سرجه و لا يثبت في البطش و الصراع. و القلعة أيضا: المال العارية. و النجعة: طلب الكلاء في موضعه، و فلان ينتجع الكلا و المنتجع: المنزل في طلب الكلاء، و منه انتجعت فلانا إذا أتيته تطلب معروفه.
(٤) ضنّ بالشيء: بخل به.
(٥) اعذوذب أي صار عذبا.
(٦) أمرّ الشيء: صار مرّا. و أوبى أي صار وبيا و لين الهمز لاجل السجع، و في نهج البلاغة هكذا: «إن جانب منها اعذوذب و احلولى، أمر منها جانب فأوبى».
(٧) الشرق: دخول الماء في الحلق حتّى يغمص به و الشرق بالماء و الريق و نحوهما كالغصص بالطعام.