كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١١٢ - في محبّة الرسول
قلت: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): هو منّي و أنا منه، يدلّ على مكانة أمير المؤمنين (عليه السلام) و منزلته، و أنّه قد بلغ من الشرف و الكمال إلى أقصى غايته، و تسنّم (١) من كاهل (٢) المجد أعلى ذروته (٣)، و رفعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما أثبته من تنبيهه على محلّه منه و نسبته، و بيان هذه الجملة التي أسفر محيّاها (٤)، و إيضاح هذه المنقبة التي تضوّع (٥) عرفها (٦) و فاح (٧) ريّاها (٨)، و كشف غطاء هذه الفضيلة التي اتّفق لفظها و معناها، أنّه لمّا قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): سلمان منّا أهل البيت، حصل لسلمان رضي اللّه عنه بذلك شرف مدّ أطنابه، و نصب على قمّة الجوزاء قبابه (٩)، و فاق به أمثاله من الأصحاب و أضرابه، فلمّا ذكر عليّا و خصّه ب «أنت منّي» سما به عن تلك الرتبة، و تجاوز به عن تلك المحلة، و لو اختصر عليها كانت مع كونها متعالية عن رتبة سلمان قريبة منها، فلمّا قال له: فأنا منك أتمّ المنقبة و كملها، و زيّن سيرته بهذه الفريدة و جمّلها، فإنّها عظيمة المحل، ظاهرة الفضل، تشهد لشرفه و مكانه و رجاحة فضله و ثقل ميزانه، و ذلك لأنّها دلّت أنّ كلّ واحد منهما صلّى اللّه عليهما، أصل للآخر و نازل منزلته، و إنّه لم يرض أن يقتصر له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأنّ عليّا منه حتّى جعل نفسه من عليّ صلّى اللّه عليهما و آلهما.
و قد أورد ابن جرير الطبري و ابن الأثير الجزري في تاريخهما أنّه كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول لعلي في يوم احد و قد فرّ من الزحف من فرّ و قرّ مع النبي من قرّ: يا علي اكفني أمر هؤلاء اكفني أمر هؤلاء (١٠)، و علي (عليه السلام) يجالد بين يديه باذلا نفسه دونه، خائضا
(١) تسنّم الشيء: علاه.
(٢) الكاهل: ما بين الكتفين.
(٣) ذروة كلّ شيء: أعلاه.
(٤) أسفر وجهه: حسن و أشرق. و المحيّا- بضمّ الميم و فتح الحاء و تشديد الياء-: جماعة الوجه.
(٥) تضوّع المسك: تحرّك فانتشرت رائحته.
(٦) العرف- بالفتح-: الرائحة الطيّبة.
(٧) فاح: بمعنى تضوّع.
(٨) ريّا- بفتح الراء و تشديد الباء-: الريح الطيّبة.
(٩) القبّة- بالكسر-: أعلى كلّ شيء.
(١٠) إشارة إلى الكفّار.