كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٩٨ - غزوة أحد
ثمّ عاد إليه و قد قصدوه من جهة أخرى، فكرّ عليهم فكشفهم و أبو دجانة و سهل بن حنيف قائمان على رأسه، و سيوفهما بأيديهما يذبّان عنه، و ثاب (١) من المنهزمين أربعة عشر رجلا، منهم طلحة بن عبيد اللّه، و عاصم بن ثابت، و صعد الباقون الجبل، و صاح صائح بالمدينة: قتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فانخلعت القلوب لذلك، و تحيّر المنهزمون فأخذوا يمينا و شمالا، و جعلت هند بنت عتبة لوحشي جعلا على أن يقتل رسول اللّه أو عليّا أو حمزة، فقال: أمّا محمّد فلا حيلة فيه لأنّ أصحابه يطيفون به، و أمّا عليّ فإنّه إذا قاتل كان أحذر من الذئب، و أمّا حمزة فإنّي أطمع فيه لأنّه إذا غضب لم يبصر ما بين يديه، و كان حمزة يومئذ قد أعلم بريشة نعامة، فكمن له وحشي في أصل شجرة، فرآه حمزة فبدر إليه بالسيف و ضربه فأخطأه، قال وحشي: فهززت الحربة حتّى إذا تمكّنت منه رميته فأصبته في أربيته (٢) فأنفذته و تركته حتّى إذا برد صرت إليه و أخذت حربتي، و شغل المسلمون عنّي و عنه بالهزيمة، و جاءت هند فأمرت بشقّ بطنه و قطع كبده و التمثيل به، فجدعوا أنفه و أذنيه.
أنشدني بعض الأصحاب و لم يسمّ قائلا:
و لا عار للأشراف إن ظفرت بها * * * كلاب الأعادي من فصيح و أعجم
فحربة وحشيسقت حمزة الردى * * * و حتف عليّ من حسام ابن ملجم (٣)
هذا و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مشغول عنه لا يعلم حاله.
قال الراوي- زيد بن وهب-: قلت لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى لم يبق معه إلّا علي و أبو دجانة و سهل؟ قال: انهزم الناس إلّا علي وحده، و ثاب إلى رسول اللّه نفر كان أوّلهم عاصم بن ثابت، و أبو دجانة، و سهل بن حنيف، و لحقهم طلحة بن عبيد اللّه، فقلت له: فأين كان أبو بكر و عمر؟ قال: كانا فيمن تنحّى، فقلت: فأين كان عثمان؟ قال: جاء بعد ثلاثة من الوقعة، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لقد ذهبت فيها عريضة (٤). قلت: فأين كنت أنت؟ قال: فيمن تنحّى، قلت: فمن حدّثك بهذا؟ قال: عاصم بن ثابت و سهل بن حنيف، قلت: إنّ ثبوت علي في ذلك المقام
(١) ثاب ثوبا: رجع بعد الذهاب.
(٢) الأربية- بالضم و التشديد-: أصل الفخذ فهما أربتيان.
(٣) الردى الهلاكة. و الحتف: الموت.
(٤) قال الجزري: و في حديث أحد قال للمنهزمين: لقد ذهبتم فيها عريضة أي واسعة.