كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٣٩ - فمن ذلك وقعة الجمل
و خرجوا عليه، و جمعوا الناس لقتاله مستخفّين بعقد بيعته التي لزمهم فرض حكمها مسفين إلى إثارة فتنة عامّة باءوا بإثمها، لم ير إلّا مقاتلتهم على مسارعتهم إلى نكث بيعته، و مقابلتهم على الخروج عن حكم اللّه و لزوم طاعته، و كان من الداخلين في البيعة أوّلا و الملتزمين لها ثمّ من المحرّضين ثانيا على نكثها و نقضها طلحة و الزبير، فأخرجا عائشة و جمعا من استجاب لهما، و خرجوا إلى البصرة و نصبوا لعلي (عليه السلام) حبائل الغوائل، و ألّبوا عليه (١) مطيعهم من الرامح و النابل، مظهرين المطالبة بدم عثمان مع علمهم في الباطن أنّ عليّا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليس بالآمر و لا القاتل.
و من العجب
أنّ عائشة حرّضت الناس على قتل عثمان بالمدينة و قالت: اقتلوا نعثلا قتل اللّه نعثلا فلقد أبى سنّة رسول اللّه و هذه ثيابه لم تبل، و خرجت إلى مكّة و قتل عثمان و عادت إلى بعض الطريق فسمعت بقتله و أنّهم بايعوا عليّا (عليه السلام) فورم أنفها و عادت و قالت: لا طالبنّ بدمه، فقيل لها: يا أمّ المؤمنين أنت أمرت بقتله و تقولين هذا؟
قالت: لم يقتلوه إذ قلت و تركوه حتّى تاب و عاد كالسبيكة من الفضّة و قتلوه،
و خرج طلحة و الزبير من المدينة على خفية و وصلا إليها مكّة و أخرجاها إلى البصرة، و رحل علي (عليه السلام) من المدينة يطلبهم فلمّا قرب من البصرة كتب إلى طلحة و الزبير:
أمّا بعد، فقد علمتما أنّي لم أرد الناس حتّى أرادوني، و لم أبايعهم حتّى أكرهوني و أنتما ممّن أرادوا بيعتي و بايعوا و لم تبايعا لسلطان غالب، و لا لغرض حاضر، فإن كنتما بايعتما طائعين فتوبا إلى اللّه عزّ و جلّ عمّا أنتما عليه، و إن كنتما بايعتما مكرهين فقد جعلتما السبيل عليكما بإظهاركما الطاعة و إسراركما (٢) المعصية، و أنت يا زبير فارس قريش و أنت يا طلحة شيخ المهاجرين، و دفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقرار كما به، و أمّا قولكما إنّي قتلت عثمان بن عفّان، فبيني و بينكما من تخلّف عنّي و عنكما عن أهل المدينة، ثمّ يلزم كلّ امرئ بقدر ما احتمل، و هؤلاء بنو عثمان- إن قتل مظلوما كما تقولان- أولياؤه و أنتما رجلان من المهاجرين و قد بايعتماني و نقضتما بيعتي، و أخرجتما أمّكما من بيتها الذي أمرها اللّه أن تقرّ فيه، و اللّه حسبكما و السلام.
(١) ألب على الأمر: لزمه فلم يفارقه.
(٢) و في بعض النسخ «كتمانكما» عوض «إسراركما».