كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٤٠٣ - فصل في ذكر مناقب شتّى و أحاديث متفرّقة أوردها الرواة و المحدّثون و أخبار و آثار دالّة على ما نحن بصدده من ذكر فضله
ألأم و أبخل و أجبن و أعيا لبظر أمّه (١)، فو اللّه لو لا ما تعلم لضربت الذي فيه عيناك، فإيّاك- عليك لعنة اللّه- و العود إلى مثل هذا.
قال: و اللّه أنت أظلم منّي، فعلى أيّ شيء قاتلته و هذا محلّه؟ قال: على خاتمي هذا حتّى يجوز به أمري، قال: فحسبك ذلك عوضا من سخط اللّه و أليم عذابه، قال: لا يا ابن محفن، و لكنّي أعرف من اللّه ما جهلت حيث يقول: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (٢).
قلت: قد شهد معاوية من فضل علي (عليه السلام) بما كان يعرف أضعافه، و رأى مع ذلك عصيانه و منابذته و خلافه، و ناصبه العداوة حتّى قتل بينهما ألوف متعددة و استمرّ على سبّه على المنابر بهمّة لا وانية في ذلك و لا متردّدة، و أوصى على الاستمرار عليها بنيه و بني أبيه، و اتّخذها سنّة جرى على بدعتها هو و من يقتفيه إلى أن أجرى اللّه رفعها على يد عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه فوفّقه اللّه لصوابها و هداه إلى ثوابها و أنجاه من أليم عذابها، و وبيل عقابها.
ثمّ إنّ معاوية يجعل عذره فيما صنع و اعتماده في الفتنة التي خبّ فيها و وضع عصره في الدماء التي أراقها و ملاذه في النار التي وراها و قوّى إحراقها الاعتماد على رحمة اللّه، و لعمري إنّها قريبة من المحسنين (٣)، فأين إحسانه؟ و حاصله لصالحي المؤمنين فأين صلاحه و إيمانه؟ و شفاعة نبيّه معدّة للمذنبين أ فيشفع له و هذا شأنه، هيهات إنّها من أماني النفوس الكاذبة، و تعللاتها الباطلة الخائبة.
حملوها يوم السقيفة أوزارا * * * تخف الجبال و هي ثقال
ثمّ جاءوا من بعدها يستقيلون * * * و هيهات عثرة لا تقال
و حدّث الزبير عن رجاله قال: قدم ابن عباس على معاوية و كان يلبس أدنى ثيابه و يخفض من شأنه لمعرفته أنّ معاوية كان يكره إظهاره لشأنه، و جاء الخبر إلى معاوية
(١) قال الجزري: البظر- بفتح الباء-: الهنة التي تقطعها الخافضة من فرج المرأة عند الختان. ثمّ قال بعد كلام له: و العرب تطلق هذا اللفظ في الذم و إن لم تكن أم من يقال له خاتنة و اللام للتعليل، و ما قامت عنه أنّه كناية عنه نفيه.
(٢) الأعراف: ١٥٦.
(٣) لقوله تعالى إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ و ليس بمعلون أنّ معاوية ناسى في ذلك الكلام عن هذه الآية أم تناسى، أو رأى أنّ ابن محفن لم يكن حاويا لكتاب اللّه و آياته فتمسك بالآية لإحجامه.