كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٧٣ - الثامن في ذكر شيء من كلامه
جاهليّتهم و إسلامهم، فما ساجلهم في منقبة إلّا مغلب و ما شابهم ماجد إلّا قيل أطمع من أشعب (١) شنشنة معروفة في السلف و الخلف، و عادة شريفة ينكرها من أنكر و يعرفها من عرف.
و من كلامه (عليه السلام) لمّا عزم على الخروج إلى العراق قام خطيبا فقال:
الحمد للّه و ما شاء اللّه و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه، صلّى اللّه على رسوله و سلّم، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيدة الفتاة، و ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، و خيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات (٢) بين النواويس و كربلاء فيملأنّ منّي أكراشا جوفا (٣)، و أجربة سغبا (٤)، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضي اللّه رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه و يوفّينا أجور الصابرين، لن يشذّ عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لحمته، و هي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه، و ينتجز لهم وعده، من كان فينا باذلا مهجته و موطنا على لقاء اللّه نفسه فليرحل فإنّي راحل مصبحا إن شاء اللّه.
و خطب (عليه السلام) فقال:
يا أيها الناس نافسوا في المكارم (٥)، و سارعوا في المغانم، و لا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوا، و اكسبوا الحمد بالنجح، و لا تكتسبوا بالمطل ذما، فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأي أنّه لا يقوم بشكرها فاللّه له بمكافاته فإنّه أجزل عطاء و أعظم أجرا، و اعلموا أنّ حوائج الناس إليكم من نعم اللّه عليكم، فلا تملّوا النعم فتحور نقما (٦).
و اعلموا أنّ المعروف مكسب حمدا، و معقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسرّ الناظرين، و لو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا (٧) مشوّها
(١) أشعب اسم رجل من أهل المدينة كان مولى لعثمان بن عفان و كان شديد الطمع يضرب به المثل.
(٢) الأوصال: المفاصل و قيل مجتمع العظام. و العسلان: عدو الذئب بسرعة و اضطراب، و أراد (عليه السلام) بالعسلان الذئاب.
(٣) الأكراش جمع الكرش و هو لذي الخف و الظلف بمنزلة المعدة للإنسان. و جوف جمع الأجوف.
(٤) السغب: الجوع.
(٥) نافس في الشيء: بالغ فيه و رغب على وجه المباراة في الكرم.
(٦) حار حورا: رجع.
(٧) السمج: القبيح.