كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٢٦ - تنبيه من غفلة و إيقاظ من غفوة
أربعين ألفا كلّ يعد قتله بين يدي الحسن (عليه السلام) شهادة، و يعتقد قيامه بطاعته عبادة، و يرى كونه من أنصاره و شيعته إقبالا و سعادة.
فبينما هو في إقبال أيّامها يأمر و ينهى، و قد أحاط بحال مقامها حقيقة و كنها، كشف له التأييد الرباني حالة لم يدركها سواه و لم يستنبها، فجاد بالخلافة على معاوية فسلّمها إليه و خرج عنها، و تكرّم بها و حرّمها نفسه الشريفة فانسلخ منها.
فلا جرم باعتبار هذه الحال، و ما أسداه (عليه السلام) من الجود و النوال، و ما أبداه من التكرّم و الإفضال، اعترف له معاوية على رءوس الأشهاد في غضون المقال، فقال له:
يا أبا محمّد لقد جدت بشيء لا تجود به أنفس الرجال، و لقد صدق معاوية فيما ذكره عقلا و نقلا، و عظم ما أسداه إليه الحسن (عليه السلام) جودا و بذلا، فإنّ النفوس تتنافس في زينة الدنيا و متاعها قولا و فعلا، و تحرص على إحرازها و اقتطاعها حرما و حلّا، فيركب إلى اكتساب محاب حطامها حزنا و سهلا، و يستعذب في إدراك مناها أسرا و قتلا.
و في الجملة:
فهي معشوقة على الغدر لا * * * تحفظ عهدا و لا تتم وصلا
كلّ دمع يسيل منها عليها * * * و بفكّ اليدين عنها تخلا
فمن أخرجها على حبّها عنه جدير أن يعد جواد الأمجاد، و أن يسجّل له بأحراز الفلج إذا تفاخرت أمجاد الأجواد.
أقول: إنّ الشيخ كمال الدين رحمه اللّه وقف على أنجد هذا الأمر (١) و لم يقف على أغواره (٢)، و خاض في ضحاضحه و لم يلحج في أغمر غماره (٣)، و عد تسليم الحسن (عليه السلام) الخلافة إلى معاوية من كرمه وجوده و إيثاره، و لو أنعم النظر (٤) علم أنّه لم يسلمها إلى معاوية باختياره، و أنّه لو وجد أعوانا و أنصارا لقاتله بأعوانه و أنصاره، و لكنّه آنس من أصحابه فشلا و تخاذلا جروا منه في ميدان الخلاف و مضماره، و شحّوا بأنفسهم عن مساعدته فرغبوا عن قربه، و سخت أنفسهم بمفارقة جواره، و أحبّوا بعد داره في الدنيا فبعدت في الاخرى دارهم من داره، و فرّ عنه من فرّ فتوجّه عليه العقاب
(١) الأنجد جمع النجد: ما ارتفع من الأرض و أشرف.
(٢) الأغوار جمع الغور: الكهف.
(٣) الضحضاح: الماء القريب القعر، و لحج في الأمر: دخل فيه و نشب.
(٤) أنعم في الأمر: بالغ- كأمعن-.