كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٤٠ - فمن ذلك وقعة الجمل
و كتب علي (عليه السلام) إلى عائشة: أمّا بعد، فإنّك خرجت من بيتك عاصية للّه تعالى و لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، تطلبين أمرا كان عنك موضوعا، ثمّ تزعمين أنّك تريدين الإصلاح بين الناس، فخبّريني ما للنساء، و قود العساكر؟ و زعمت أنّك طالبة بدم عثمان، و عثمان رجل من بني اميّة و أنت امرأة من بني تيم بن مرّة، و لعمري إنّ الذي عرضك للبلاء و حملك على المعصية لأعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان، و ما غضبت حتّى أغضبت و لا هجمت حتّى هيّجت، فاتّقي اللّه يا عائشة و ارجعي إلى منزلك و اسبلي عليك سترك و السلام.
فجاء الجواب إليه (عليه السلام): يا بن أبي طالب جلّ الأمر عن العتاب، و لن ندخل في طاعتك أبدا، فاقض ما أنت قاض، و السلام.
ثمّ تراءى الجمعان و تقاربا و رأى علي (عليه السلام) تصميم القوم على قتاله، فجمع أصحابه و خطبهم خطبة بليغة قال (عليه السلام) فيها: و اعلموا أيّها الناس إنّي قد تأنّيت هؤلاء القوم و راقبتهم و ناشدتهم كيما يرجعوا و يرتدعوا فلم يفعلوا و لم يستجيبوا، و قد بعثوا إليّ أن أبرز إلى الطعان و أثبت للجلاد و قد كنت و ما أهدّد بالحرب و لا أدعى إليها و قد أنصف القارة من راماها منها (١) فأنا أبو الحسن الذي فللت (٢) حدّهم و فرّقت جماعتهم، فبذلك القلب ألقى عدوّي، و أنا على بيّنة من ربّي لما وعدني من النصر و الظفر، و إنّي لعلى غير شبهة من أمري، ألا و إنّ الموت لا يفوته المقيم و لا يعجزه الهارب، و من لم يقتل يمت، فإنّ أفضل الموت القتل و الذي نفس عليّ بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليّ من ميتة على الفراش.
ثمّ رفع يده إلى السماء و قال: اللهمّ إنّ طلحة بن عبيد اللّه أعطاني صفقة يمينه طائعا ثمّ نكث بيعتي، اللهمّ فعاجله و لا تمهله، و إنّ زبير بن العوام قطع قرابتي و نكث عهدي و ظاهر عدوّي و نصب الحرب لي، و هو يعلم أنّه ظالم (إليّ) اللهمّ فاكفنيه كيف شئت.
ثمّ تقاربوا و تعبّوا لابسي سلاحهم و دروعهم متأهّبين للحرب كلّ ذلك و عليّ (عليه السلام) بين الصفّين عليه قميص و رداء، و على رأسه عمامة سوداء، و هو راكب على
(١) القارة: قبيلة و هم رماة.
(٢) فلل القوم: كسرهم و هزمهم.