كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥١١ - السادس في علمه
و طواه (١)، و هو حامل جرّ مملوءا ماء على مطاه (٢)، و حاله يعطف عليه القلوب القاسية عند مرآه، فاستوقف الحسن (عليه السلام) و قال: يا بن رسول اللّه أنصفني، فقال (عليه السلام): في أي شيء؟ فقال: جدّك يقول: الدنيا سجن المؤمن و جنّة الكافر، و أنت مؤمن و أنا كافر، فما أرى الدنيا إلّا جنّة لك تتنعّم بها و تستلذّ فيها؟ و ما أراها إلّا سجنا لي قد أهلكني ضرّها و أتلفني فقرها؟
فلمّا سمع الحسن (عليه السلام) كلامه أشرق عليه نور التأييد، و استخرج الجواب بفهمه من خزانة علمه، و أوضح لليهودي خطأ ظنّه، و خطل زعمه، و قال: يا شيخ! لو نظرت إلى ما أعدّ اللّه لي و للمؤمنين في الدار الآخرة ممّا لا عين رأت و لا أذن سمعت، لعلمت أنّي قبل انتقالي إليه في هذه الدنيا في سجن ضنك، و لو نظرت إلى ما أعدّ اللّه لك و لكلّ كافر في الدار الآخرة من سعير نار الجحيم، و نكال عذاب المقيم، لرأيت أنّك قبل مصيرك إليه الآن في جنّة واسعة، و نعمة جامعة.
فانظر إلى هذا الجواب الصادع بالصواب كيف قد تفجّرت بمستعذبه عيون علمه، و أينعت بمستغربه فنون فهمه، فيا له جوابا ما أمتنه، و صوابا ما أبينه، و خطابا ما أحسنه، صدر عن علم مقتبس من مشكاة نور النبوّة، و تأييد موروث من آثار معالم الرسالة (هذا آخر كلام ابن طلحة).
نقلت من كتاب معالم العترة الطاهرة للجنابذي رحمة اللّه عليه عن عقبة ابن الحرث قال: مرّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع أبي بكر رضي اللّه عنه إذ رأى الحسن بن علي (عليه السلام) و هو يلعب، فأخذه فحمله على عاتقه فقال: بأبي شبيه النبي لا شبيها بعلي، قال: و علي (عليه السلام) يتبسّم.
و عن ابن مالك قال: كان الحسن بن علي (عليهما السلام) أشبههم برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لأبي جحيفة: هل رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ قال: نعم، و كان الحسن بن علي (عليه السلام) يشبهه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و عن أبي هريرة قال: ما رأيت الحسن بن علي (عليهما السلام) إلّا فاضت عيناي دموعا، و ذلك أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خرج ذات يوم فوجدني في المسجد فأخذ بيدي فاتّكأ عليّ ثمّ انطلقت معه حتّى جئنا إلى سوق بني قينقاع، فما كلّمني فطاف فنظر، ثمّ رجع
(١) الطوى: الجوع. و لعل المراد بالطوى ثانيا انطوى عليه بطنه من الأحشاء و الأمعاء.
(٢) الجر: الإناء من خزف. و المطا: الظهر.