كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٤٣١ - في فضائلها
علاها، العاطلة من زخرف دنياها، أمة اللّه و سيّدة النساء، جمال الآباء شرف الأبناء، يفخر آدم بمكانها، و يبوح نوح بشدّة شأنها، و يسموا إبراهيم بكونها من نسله، و ينجح إسماعيل على إخوته إذ هي فرع أصله، و كانت ريحانة محمّد من بين أهله، فما يجاريها في مفخر إلّا مغلب، و لا يباريها في مجد إلّا مؤنب، و لا يجحد حقّها إلّا مأفون، و لا يصرف عنها وجه إخلاصه إلّا مغبون.
و بيان ذلك و تفصيل جمله أنّ الطباع البشريّة مجبولة على كراهة الموت، مطبوعة على النفور منه، محبّة للحياة، مائلة إليها، حتّى الأنبياء (عليهم السلام) على شرف مقادير هم و عظم أخطارهم و مكانتهم من اللّه تعالى و منازلهم من محال قدسه، و علمهم بما تؤل إليه أحوالهم و تنتهي إليهم أمورهم أحبّوا الحياة و مالوا إليها، و كرهوا الموت و نفروا منه، و قصّة آدم (عليه السلام) مع طول عمره و امتداد أيّام حياته معلومة.
قيل: إنّه وهب داود (عليه السلام) حين عرضت عليه ذريّته أربعين سنة من عمره، فلمّا استوفى أيّامه و حانت منيّته و انقضت مدّة أجله و حمّ حمامه جاءه ملك الموت يقبضه نفسه التي هي وديعة عنده، فلم تطب بذلك نفسه و جزع و قال: إنّ اللّه عرفني مدّة عمري و قد بقيت منه أربعون سنة، فقال: إنّك و هبتها ابنك داود، فأنكر أن يكون ذلك، قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فجحد فجحدت ذريّته.
و نوح (عليه السلام) كان أطول الأنبياء عمرا، أخبر اللّه تعالى عنه أنّه لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما، فلمّا دنا أجله قيل له: كيف رأيت الدنيا؟ فقال: كدار ذات بابين دخلت في باب و خرجت من باب، و هذا يدلّ بمفهومه على أنّه لم يرد الموت و لم يؤثر مفارقة الدنيا و لا استطال أمد الإقامة فيها.
و إبراهيم (عليه السلام) روي أنّه سأل اللّه تعالى أن لا يميته حتّى يسأله، فلمّا استكمل أيّامه التي قدّرت له خرج فرأى ملكا على صورة شيخ فإن كبير قد أعجزه الضعف و ظهر عليه الخراف (١) و لعابه يجري على لحيته، و طعامه و شرابه يخرجان من سبيله عن غير اختياره، فقال له: يا شيخ كم عمرك؟ فأخبره بعمر يزيد على عمر إبراهيم سنة، فاسترجع و قال: أنا أصير بعد سنة إلى هذه الحال، فسأل الموت.
و موسى (عليه السلام) لمّا جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه فأعوره كما ورد في
(١) الخراف: فساد العقل من الكبر.