كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٨ - أدبه و نثره
و الأقسام التي فيها يمجّها طبعي و ينفر عنها حتّى يعافها نقدي (١).
قال محققا التذكرة: و يقدم لكل باب من أبوابه بمقدمة يظهر فيها براعته الفنية، و بأسلوب مسترسل و عبارات مسجوعة، و هي صورة لعصره الذي برع فيه أقطاب هذا الاتجاه، و تميّز أدب الفترة بهذا الضرب الفني. و تأتي بعض إشاراته و هي تقف عند مسائل نقدية تتعلق باستخدام ألفاظ و استعمال مفردات و تقويم عبارات. و من الطريف أن نجد المؤلف يخالف النقّاد القدامى و البلاغيين في بعض آرائهم، فإذا استحسنوا أبياتا من الشعر وجدناه لا يجري مجراهم في الإعجاب أو المتابعة، و إنّما يظهر رأيه بصراحة و يعبّر عن موقفه بصورة معاكسة، فإذا ذكر أبياتا لزهير مثلا قال: إنّ هذه الأبيات قد استحسنها أبو هلال، و الأقسام التي فيها يمجّها طبعي و ينفر عنها حتّى يعافها نقدي، و المؤلف لا يقف عند حدود الاستشهاد، أو تنتهي مهمّته عند حدود النقل غير الواعي، و إنّما يجد في كلّ باب من أبوابه استجابة يغنيها بشعره، و التفاتة تحيط بما لم يعثر عليه عند شعراء الاستشهاد (٢).
و بعد: فالإربلي أديب قوي العارضة، تذوّق الأدب منذ نشأته الاولى، و قد مارسه طيلة حياته، ناظما و ناثرا و ناقدا ماهرا، لا يعوزه التعبير و لا يصدّ طريقه و عورة التقرير. تولّى كتابة الإنشاء في ديوان السلطان سنين حتّى عدّ من أجلّاء المنشئين.
و فيما يلي ننقل سطورا من نثره الدارج في عصره، ليلمس القارئ قوّة تعبيره و تمكّنه في الأدب العربي:
«ولي طبيعة تصبو إلى زمن الربيع، و تتشوّف إلى النبات المريع، أجد من نفسي نشاطا في أيّامه، و يهيجني نشر رنده و خزامه، و أبتهج ببنانه و عراره، و أطرب لدرهمه و ديناره، و استنشئ ريّاه و يشوقني محياه، و يروقني منظره و مخبره، و يرقّ لي أصيله و سحره، ما تفتقت أكمامه إلّا تحرّك وجد القلب و غرامه، و لا فتح نواره إلّا و أضرم في الحشا ناره ...».
«و لم يكن عندي إذ ذاك باعث غرام، و ليس همّ في غلامة أو غلام، لا سبيل عليّ لسلطان البطالة، و لا طريق على قلبي لغزال و لو كان كالغزالة، أعجب ممّن يهيم وجدا،
(١) المصدر السابق ص ٤٧٤.
(٢) مقدمة التذكرة الفخرية ص ١٣- ١٥.