كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٧٧ - فصل في ذكر كراماته و ما جرى على لسانه من إخباره بالمغيّبات
أمير المؤمنين (عليه السلام)، و سار و الراهب بين يديه و قاتل معه أهل الشام و استشهد، فتولّى أمير المؤمنين الصلاة عليه و دفنه و أكثر من الاستغفار له، و كان إذا ذكره يقول: ذاك مولاي.
و في هذا الخبر ضروب من المعجز: (أحدها) علم الغيب، و القوّة التي خرق بها العادة، و تميزه بخصوصيّتها من الأنام مع ما فيه من ثبوت البشارة به في كتب اللّه الاولى، و في ذلك يقول إسماعيل بن محمّد الحميري المعروف بالسيّد في قصيدته البائيّة:
و لقد سرى فيما يسير بليلة * * * بعد العشاء بكربلاء في موكب
حتّى أتى متبتّلا في قائم * * * ألقى قواعده بقاع مجدب (١)
فدنا فصاح به فأشرف ماثلا (٢) * * * كالنسر فوق شظية (٣) من مرقب (٤)
هل قرب قائمك الذي بوّأته * * * ماء يصاب؟ فقال: ما من مشرب
إلّا بغاية فرسخين و من لنا * * * بالماء بين نقا (٥) أو سبسب (٦)
فثنى الأعنّة نحو وعث (٧) فاجتلى * * * ملساء تلمع كاللجين (٨) المذهب
قال اقلبوها إنّكم إن تقلبوا * * * ترووا و لا تروون إن لم تقلب
فاعصوصبوا (٩) في قلبها فتمنّعت * * * منهم تمنّع صعبة (١٠) لم تركب
حتّى إذا أعيتهم أهوى لها * * * كفّا متى يرد المغالب تغلب
(١) القاع: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال و الآكام. و جدب المكان: محل و المحل: انقطاع المطر و يبس الأرض.
(٢) ماثلا: قائما منتصبا.
(٣) الشظية الفلقة من العصا و نحوها في الأصل، و أراد بها هنا عقبة دقيقة ذات حرف، تشبيها بها.
(٤) المرقب: الموضع المشرف.
(٥) النقا بالقصر: الكثيب من الرمل، و تثنيته نقوان و نقيان أيضا، و النقى: القفر، و كذلك القوى و القواء بالمد و القصر، و منزل قوّاء لا أنيس به.
(٦) السبسب: المفازة، و بلد سبسب و سبساب.
(٧) الوعث: المكان السهل الكثير الدهس تغيب فيه الأقدام، و يشقّ على من يمشي فيه، و أوعثوا وقعوا في الوعث، و الدهس و الدهاس: المكان السهل اللين، لا يبلغ أن يكون رملا و ليس هو بتراب و لا طين.
(٨) اللجين: الفضة جاء مصغرا كالثريا و الكميت.
(٩) اعصوصبوا: اجتمعوا و اشتدّوا.
(١٠) الصعبة الناقة التي لم ترض و لم تذلّل.