كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٠٨ - غزوة الخندق
و روى محمّد بن عمرو الواقدي مرفوعا إلى الزهري قريبا منه، و طلب عمرو المبارزة مرّة بعد أخرى و أنشد: «و لقد بححت من النداء» و في كلّ ذلك يقوم علي (عليه السلام) فيأمره بالجلوس انتظارا لحركة غيره من المسلمين، و كأنّ على رءوسهم الطير لخوفهم من عمرو و من معه، و طال نداء عمرو بطلب البراز، و تتابع قيام علي (عليه السلام)، فقال له: ادن منّي يا علي، فدنا فنزع عمامته من رأسه و عمّمه بها و أعطاه سيفه و قال: امض لشأنك، ثمّ قال: اللهمّ أعنه، فسعى نحو عمرو و معه جابر بن عبد اللّه الأنصاري لينظر ما يكون منه و من عمرو، فلمّا انتهى إليه قال: يا عمرو إنّك كنت في الجاهليّة تقول: لا يدعوني رجل إلى ثلاث إلّا قبلتها أو واحدة منها، قال: أجل، قال: فإنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه و أن تسلم لربّ العالمين، قال: يا بن أخي، أخّر هذا عنّي. قال (عليه السلام): أمّا إنّها خير لك لو أخذتها، قال: فهاهنا أخرى، قال: و ما هي؟ قال:
ترجع من حيث جئت، قال: لا تحدّث عنّي نساء قريش بهذا أبدا، قال: فهنا أخرى، قال: ما هي؟ قال: تنزل فتقاتلني، فضحك عمرو و قال: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أنّ أحدا من العرب يرو مني عليها، إنّي أكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، و قد كان أبوك لي نديما، قال علي (عليه السلام): لكنّي أحبّ أن أقتلك فانزل إن شئت، فأسف عمرو و نزل فضرب وجه فرسه حتّى رجع.
قال جابر رحمه اللّه: و ثارت بينهما قترة (١) فما رأيتهما و سمعت التكبير، فعلمت أنّ عليّا (عليه السلام) قتله، و انكشف أصحابه و عبروا الخندق و تبادر المسلمين حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم، فوجدوا نوفل بن عبد اللّه في جوف الخندق لم ينهض به فرسه، فرموه بالحجارة، فقال لهم: قتلة أجمل من هذه، ينزل بعضكم أقاتله، فنزل إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فضربه حتّى قتله، و لحق هبيرة فأعجزه فضرب قربوس سرجه و سقطت درعه، و فرّ عكرمة، و هرب ضرار بن الخطاب، قال جابر: فما شبّهت قتل علي عمرا إلّا بما قصّ اللّه من قصّة داود و جالوت.
و عن ربيعة السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت له: يا أبا عبد اللّه، إنّا لنتحدّث عن علي و مناقبه فيقول لنا أهل البصرة: إنّكم تفرطون في عليّ، فهل أنت محدّثي بحديث فيه؟ فقال حذيفة: يا ربيعة، و ما تسألني عن علي و الذي نفسي بيده لو
(١) القترة: الغبار.