كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٣٨٩ - فصل في ذكر مناقب شتّى و أحاديث متفرّقة أوردها الرواة و المحدّثون و أخبار و آثار دالّة على ما نحن بصدده من ذكر فضله
يقدمهم خالد بن الوليد و ثب به عليّ فختله (١) و همز (٢) يده و أخذ سيفه و شدّ عليهم فأجفلوا (٣) فعرفوه و قالوا: إنّا لم نردك فما فعل صاحبك؟ فقال: لا علم لي، فأذكت قريش عليه العيون (٤) و ركبت في طلبه الصّعب و الذلول.
و لمّا اعتمّ علي (٥) انطلق هو و هند إلى الغار و أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هندا أن يبتاع له و لصاحبه بعيرين، فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لي و لك يا رسول اللّه راحلتين ترتحلهما إلى يثرب، فقال: لا آخذهما إلّا بالثمن، قال: هي لك يا رسول اللّه بذلك، فأمر عليّا فأقبضه الثمن و وصّاه بحفظ ذمّته و أداء أمانته، و كانت قريش تدعو النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الجاهليّة الأمين و تودعه أموالها، و بعث و الحال كذلك، فأمر عليّا أن يقيم صارخا بالأبطح يهتف (٦) غدوة و عشيّا: من كان له قبل محمّد أمانة أو وديعة فليأت فلتؤدّ إليه أمانته، و قال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لن يصلوا إليك من الآن بأمر تكرهه حتّى تقدم عليّ فأدّ أمانتي على أعين الناس ظاهرا. ثمّ إنّي أستخلفك على فاطمة ابنتي و مستخلف ربّي عليكما، و أمره أن يبتاع رواحل له و للفواطم و من يهاجر معه من بني هاشم، و قال لعلي: إذا أبرمت ما أمرتك به فكن على أهبة الهجرة إلى اللّه و رسوله، و سر إليّ لقدوم كتابي عليك، و انطلق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يؤم المدينة و أقام في الغار ثلاثا (٧)، و مبيت عليّ على فراشه أوّل ليلة، و قال علي (عليه السلام) في ذلك:
وقيت بنفسي خير من وطأ الحصا * * * و من طاف بالبيت العتيق و بالحجر
محمّد لمّا خاف أن يمكروا به * * * فوقاه ربّي ذو الجلال من المكر
و بتّ أراعيهم متى يأسرونني * * * و قد وطّنت نفسي على القتل و الأسر
و بات رسول اللّه في الغار آمنا * * * هناك و في حفظ الإله و في ستر
(١) ختله و خاتله خادعه.
(٢) و الهمز مثل الغمز و الضغط.
(٣) أجفل القوم: أسرعوا في الهرب.
(٤) أذكت عليه العيون: إذا أرسلت عليه الطلائع.
(٥) اعتم الرجل: دخل في العتمة و هي ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق و قيل وقت صلاة العشاء الآخرة.
(٦) هتف به هتافا: أي صاح.
(٧) و في نسخة بعد قوله و أقام في الغار هكذا: «ثلاثة أيام بلياليهنّ و خرج يوم الأربع من ربيع الأول و كان مبيت علي (عليه السلام) اه».