كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٦٢ - السادس في علمه و شجاعته و شرف نفسه
خائضا غمرات الأهوال بنفس مطمئنّة و عزيمة مطنبة، يعدّ مصافحة الصفاح غنيمة باردة، و مرامحة الرماح فائدة عائدة، و مكافحة الكتائب مكرمة زائدة، و مناوحة المقانب (١) منقبة شاهدة، يعتقد أنّ القتل يلحقه ظلل الحياة الأبديّة، و يسعفه حلل المحامد السرمديّة، و يزلفه في منازل الفخار العليّة المعدّة للشهداء الأحديّة، جانحا إلى ابتياع العزّ بمهجته، و يراها ثمنا قليلا جامحا عن ارتكاب الدنايا و إن غادره جماحه قتيلا.
يرى الموت أحلى من ركوب دنيّة * * * و لا يغتدي للناقصين عديلا
و يستعذب التعذيب فيما يفيده * * * نزاهته عن أن يكون ذليلا
فهذا مالك أزمّة الشجاعة و حائزها، و له من قداحها معلاها و فائزها، قد تفوّق بها لبان الشرف و اغتذاه، و تطوّق درّة سحابة المستحلى و تحلّاه، و عبق نشر أرجه المنتشر ممّا أتاه، و نطق فعله بمدحه و إن لم يفض فاه، و صدق و اللّه واصفه بالشجاعة التي يحبها اللّه.
و إذا ظهرت دلائل الآثار على مؤثرها، و أسفرت عن تحقق مثيرها و مشمرها، فقد صرّح النقلة في صحائف السير بما رأوه، و جزموا القول بما نقله المتقدم إلى المتأخّر فيما رووه، أنّ الحسين (عليه السلام) لمّا قصد العراق و شارف الكوفة سرب إليه أميرها يومئذ عبيد اللّه بن زياد الجنود لمقابلته أحزابا، و حزّب عليه الجيوش لمقاتلته أسربا (٢)، و جهّز من العساكر عشرين ألف فارس و راجل يتتابعون كتائبا و أطلابا، فلمّا حضروه و أحدقوا به شاكّين في العدة و العديد، ملتمسين منه نزوله على حكم ابن زياد و بيعته ليزيد، فإن أبى فليؤذن بقتال يقطع الوتين و حبل الوريد، و يصعد الأرواح إلى المحلّ الأعلى و يصرع الأشباح على الصعيد، فتبعت نفسه الأبيّة جدّها و أباها، و عزفت عن التزام الدنيّة فأباها، و نادته النخوة الهاشميّة فلبّاها، و منحها بالإجابة إلى مجانبة الذلّة و حباها، فاختار مجالدة الجنود و مضاربة ظباها، و مصارمة صوارمها و شيم شباها، و لا يذعن لوصمة (٣) تسمّ بالصغار من شرفه خدودا و جباها.
(١) المقانب: الذئاب الضارية.
(٢) سرب الماء: أساله. و الأسراب جمع السرب: القطيع من الحيوان.
(٣) الوصمة: العار و العيب.