كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٦١ - السادس في علمه و شجاعته و شرف نفسه
فكشفت له الحقائق عند اطّلاعه، و سار صيته بالفواضل و الفضائل فاستوى الصديق و العدوّ في استماعه، فلمّا اقتسمت غنائم المجد حصل على صفاياه و مرباعه، فقد اجتمع فيه و في أخيه (عليهما السلام) من خلال الفضل ما لا خلاف في اجتماعه، و كيف لا يكونا كذلك و هما ابنا علي و فاطمة (عليهما السلام) بلا فصل، و سبطا النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأكرم بالفرع و الأصل، و السيّدان الإمامان قاما أو قعدا، فقد استوليا على الأمل و حازا الخصل، و الحسين (عليه السلام) هو الذي أرضى غرب السنان و حدّ النصل، و غادر جثث الأعداء فرائس الكواسب بالهبر و الفصل (١).
و أمّا شجاعته (عليه السلام) فقد قال كمال الدين رحمه اللّه: اعلم وفّقك اللّه على حقائق المعاني، و وفّقك لإدراكها أنّ الشجاعة من المعاني القائمة بالنفوس، و الصفات المضافة إليها، فهي تدرك بالبصيرة لا بالبصر، و لا تمكن معرفتها بالحس مشاهدة لذّاتها، إذ ليست أجساما كثيفة، بل طريق معرفتها و العلم بها مشاهدة آثارها، فمن أراد أن يعلم أنّ زيدا موصوف بالشجاعة فطريقه أن ينظر إلى ما يصدر منه، فإذا أحدقت الرجال و حدقت الآجال و حقّت الأوجال و تضايق المجال و حاق القتال (٢)، فإن كان مجزاعا مهلاعا مرواعا مفزاعا، فتراه يستركب الهزيمة و يستبقها، و يستصوب الدنيّة و يتطوّقها، و يستعذب المفرّة و يستفوقها، و يستصحب الذلّة و يتعلّقها، مبادرا إلى تدرّع عار الفرار من شبا الشفار (٣)، مشيحا عن الفخار (٤) باقتحام الأخطار، في مقرّ القراع بكلّ خطار (٥)، فذلك مهبول الأم (٦) مخبول الفهم مفلول الجمع، معزول عن السمع، مضروب بينه و بين الشجاعة بحجاب، مكتوب بينه و بين الشهامة بإبراء في كتاب، و لا تعرف نفسه شرفا، و لا تجد عن الخساسة و الدناءة منصرفا.
و إن كان مجسارا مجزارا كرّارا صبّارا، يسمع من أصوات وقع الصوارم نغم المزاهر المطربة، و يسرع إلى مصاف التصادم مسارعته إلى مواصلة النواظر المعجبة،
(١) غادره: تركه و أبقاه. و البهر: ما اطمئنّ من الأرض و الرمل.
(٢) حاق حيقا و حوقا به: أحاط.
(٣) شبا جمع الشباة و هو من السيف حدّه. و الشفار جمع الشفرة: السكّين العظيمة العريضة.
(٤) أشاح عن الشيء: أعرض.
(٥) قارع الأبطال قراعا: ضارب بعضهم بعضا.
(٦) هبلته أمّه: ثكلته.