كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٣٥ - فصل في فضائل الإمام علي و علمه
و من ذلك
ما نقله القاضي الإمام أبو محمّد الحسين بن مسعود البغوي عن أنس أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا خصّص جماعة من الصحابة كلّ واحد بفضيلة، خصّص عليّا (عليه السلام) بعلم القضاء، فقال: و أقضاهم علي، و قد صدع هذا الحديث بمنطوقه و صرّح بمفهومه أنّ أنواع العلم و أقسامه قد جمعها لعلي دون غيره، فإنّ كلّ واحد ممّن اختصّ بصفة لا يتوقف حصولها على غيرها من الصفات و الفضائل، فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: أفرضهم زيد بن ثابت، و أقرؤهم أبي، و أعرفهم بالحلال و الحرام معاذ بن جبل، و كلّ واحدة من هذه لا تفتقر إلى غيرها بخلاف علم القضاء، و قد حصلت لعليّ بصيغة أفعل، و هي تقتضي وجود أصل ذلك الوصف و زيادة فيه على غيره، و المتصف بها يجب أن يكون كامل العقل، صحيح التمييز، جيّد الفطنة، بعيدا عن السهو و الغفلة، يتوصّل بفطنته إلى وضوح ما أشكل، و فصل ما أعضل، ذا عدالة تحجزه عن أن يحوم حول حمى المحارم، و مروّة تحمله على محاسن الشيم، و مجانبة الدنايا، صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفا عن المحظورات، مأمونا في السخط و الرضا، عارفا بالكتاب و السنّة، و الإتقان للاختلاف و القياس، و لغة العرب، ليقدم المحكم على المتشابه، و الخاص على العام، و المبيّن على المجمل، و الناسخ على المنسوخ، و يبني المطلق على المقيّد، و يقضي بالتواتر دون الآحاد، و المسند دون المرسل، و المتصل دون المنقطع، و بالإتقان دون الاختلاف، و يعرف أنواع الأقيسة من الجلي و الواضح و الخفي ليتوصّل بها إلى الأحكام، و يعرف أقسام الأحكام من الواجب و المحظور و المندوب و المكروه، و لا يتّصف بالقضاء من لم يجمع هذه الامور، و يستولي على الأمد و الغاية فيها.
و من المعلوم أنّ عليّا (عليه السلام) حاز فيها قصبات السبق، و شأى (١) في إحراز غاياتها جميع الخلق، و هذا حصل له ببركة دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين أنفذه إلى اليمن و قد تقدم ذكر ذلك، فقال: ترسلني و لا علم لي بالقضاء؟ فقال له: إنّ اللّه سيهدي قلبك و يثبّت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل، فإنّه أحرى أن تبين لك القضاء، قال: فما زلت قاضيا و ما شككت في قضاء بعد.
(١) شأى القوم: سبقهم.