كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٧٣ - في وصف زهده في الدنيا و سنّته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
عرفه لم يشتر منه شيئا، ثمّ أتى آخر فلمّا عرفه لم يشتر منه شيئا، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم و لبسه ما بين الرسغين (١) إلى الكعبين، و قال حين لبسه: الحمد للّه الذي رزقني من الرياش (٢) ما أتجمّل به في الناس أواري به عورتي، فقيل له: يا أمير المؤمنين هذا شيء ترويه عن نفسك أو شيء سمعته من رسول اللّه؟
قال: بل شيء سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقوله عند الكسوة، فجاء أبو الغلام صاحب الثوب، فقيل: يا فلان قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين (عليه السلام) قميصا بثلاثة دراهم، قال: أ فلا أخذت منه در همين! فأخذ أبوه درهما و جاء به إلى أمير المؤمنين و هو جالس على باب الرحبة و معه المسلمون، فقال: أمسك هذا الدرهم يا أمير المؤمنين، قال: ما شأن هذا الدرهم؟ قال: كان ثمن قميصك درهمين، فقال: باعني رضاي و أخذ رضاه.
و منه عن قبيصة بن جابر قال: ما رأيت أزهد في الدنيا من علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.
و نقلت من كتاب اليواقيت لأبي عمر الزاهد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد أمر بكنس بيت المال و رشّه فقال: يا صفراء غرّي غيري، يا بيضاء غرّي غيري، ثمّ تمثّل شعرا:
هذا جناي و خياره فيه * * * إذ كلّ جان يده إلى فيه (٣)
و منه قال ابن الأعرابي: إنّ عليّا دخل السوق و هو أمير المؤمنين، فاشترى قميصا بثلاثة دراهم و نصف، فلبسه في السوق فطال أصابعه فقال للخياط: قصّه (٤)، قال:
(١) الرسغ: مفصل ما بين الساعد و الكف و الساق و القدم.
(٢) الرياش: اللباس الفاخر.
(٣) الجنى: المجنى و يروى (هذا جناي و هجانه فيه) و الهجان البيض و هو أحس البياض و أعتقه، و أوّل من تكلّم بهذا المثل عمرو بن عدي بن أخت جذيمة، و ذلك أنّ جذيمة خرج مبتديا بأهله و ولده في سنة مكلئة و ضربت أبنية في زهر و روضة فأقبل ولده يجتنون الكماة فإذا أصاب كماة جيدة أكلها و إذا أصابها عمرو خبأها في حجزته، فأقبلوا يتعادون إلى جذيمة و عمرو يقول- و هو صغير-:
هذا جناي و خياره فيه * * * إذ كلّ جان يده إلى فيه
فضمّه جذيمة إليه و التزمه و سرّ بقوله و فعله و أمر أن يصاغ له طوق، فكان أوّل عربي طوّق، و كان يقال له عمرو ذو الطوق و هو الذي قيل فيه المثل المشهور: كبر عمرو عن الطوق. و تقدير المثل: هذا ما اجتنيه و لم آخذ لنفسي خير ما فيه إذ كلّ جان يده مائلة إلى فيه يأكله. (كذا في مجمع الأمثال).
(٤) قصّ الشيء: قطعته.