كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٣٦ - فصل في فضائل الإمام علي و علمه
و من ذلك
ما نقله البغوي في كتابه شرح السنّة، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: إنّ فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول اللّه؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول اللّه؟
قال: لا، و لكن خاصف النعل،
و كان علي (عليه السلام) قد أخذ نعل رسول اللّه و هو يخصفها، فقضى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ عليّا يقوم بالقتال على تأويل القرآن كما قام هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالقتال على تنزيله، و التنزيل مختص برسول اللّه، فإنّ اللّه أنزله عليه لأنواع من الحكم أرادها.
قال اللّه تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) و قال عزّ و جلّ: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ... وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* (٢) و قال عزّ من قائل: وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٣) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذه الحكم التي تنزيله طريق إلى تحصيلها يختص بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا يمكن حصولها إلّا بتنزيله، فمن أنكر التنزيل فقد كذب به و جحده، و اتّصف بالكفر، كما قال: وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ (٤) وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٥).
فأنكروا التنزيل على ما نطق به القرآن المجيد: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ (٦) فتعيّن قتالهم إلى أن يؤمنوا، فقاتلهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى أن دخلوا في دين اللّه أفواجا، فهذا بيان القتال على تنزيله.
و أمّا تأويله فهو تفسيره، و ما يؤول إليه آخر مدلوله، فمن حمل القرآن على معناه الذي يقتضيه لفظه من مدلول الخطاب، و فسّره بما يتأوّله من معانيه المرادة به فقد أصاب سنن الصواب، و من صدف عن ذلك و صرفه عن مدلوله و مقتضاه، و حمله على غير ما أريد به ممّا يوافق هواه، و تأوّله بما يضلّ به عن نهج هداه، معتقدا أنّ مجمله الذي ادّعاه، و مقصده الذي افتراه فنحاه، هو المدلول الذي أراده اللّه، فقد
(١) إبراهيم: ١.
(٢) النحل: ٨٩.
(٣) الشعراء: ١٩٢- ١٩٤.
(٤) العنكبوت: ٤٧.
(٥) لقمان: ٣٢.
(٦) الأنعام: ٩١.