كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٧٨ - في وصف زهده في الدنيا و سنّته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
الغارب (١) و قلّة السنام، و لا احتكموا في قصة شرف إلّا و ألقوا إليه أزمّة الأحكام.
و روى الحافظ أبو نعيم بسنده في حليته أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: يا علي، إنّ اللّه قد زيّنك بزينة لم يزيّن العباد بزينة أحبّ إلى اللّه منها، هي زينة الأبرار عند اللّه تعالى، الزهد في الدنيا، فجعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا و لا ترزأ منك الدنيا شيئا (٢).
و قد أورده صاحب كفاية الطالب أبسط من هذا قال: سمعت أبا مريم السلولي يقول: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: يا علي إنّ اللّه قد زيّنك بزينة لم يزيّن العباد بزينة أحبّ إلى اللّه منها، الزهد في الدنيا، و جعلك لا تنال من الدنيا شيئا و لا تنال منك شيئا، و وهب لك حبّ المساكين، فرضوا بك إماما و رضيت بهم أتباعا، فطوبى لمن أحبّك و صدق فيك، و ويل لمن أبغضك و كذب عليك، فأمّا الذين أحبّوك و صدقوا فيك فهم جيرانك في دارك، و رفقاؤك في قصرك، و أمّا الذين أبغضوك و كذبوا عليك فحقّ على اللّه أن يوقفهم موقف الكذابين (٣) يوم القيامة، و ذكره ابن مردويه في مناقبه.
فقد ثبت لعلي الزهد في الدنيا بشهادة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) له بذلك، و لا يصح الزهد في الشيء إلّا بعد معرفته و العلم به، و علي (عليه السلام) عرف الدنيا بعينها، و تبرّجت له فلم يحفل بزينتها لشينها، و تحقّق زوالها فعاف وصالها (٤)، و تبيّن انتقالها فصرم حبالها (٥)، و استبان قبح عواقبها و كدر مشاربها فألقى حبلها على غاربها (٦) و تركها لطالبها، و تيقّن بؤسها و ضررها فطلّقها ثلاثا و هجرها، و عصاها إذ أمرته، فعصته إذ أمرها، و علمت أنّه ليس من رجالها، و لا من ذوي الرغبة في جاهها و مالها، و لا ممّن تقوده في حبالها،
(١) الغارب: أعلى كلّ شيء.
(٢) أي لا تنقص منها و لا تنقص منك و ارتزأ الشيء: نقص.
(٣) و في نسخة «أن يدخلهم جهنّم».
(٤) عاف الشيء: كرهه.
(٥) صرح الحبل: انقطع.
(٦) الغارب: ما بين السنام و العنق و هو الذي يلقى عليه خطام البعير إذا أرسل ليرعى حيث شاء، ثمّ استعير للمرأة و جعل كناية عن طلاقها، فقيل لها: حبلك على غاربك أي اذهبي حيث شئت أنت مرسلة مطلقة غير مشدودة و لا ممسكة بعقد الزواج.