كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٧٦ - في وصف زهده في الدنيا و سنّته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
أكثروا مناجاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و غلبوا الفقراء على المجالس عنده حتّى كره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذلك و استطال جلوسهم و كثرة مناجاتهم، فأنزل اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ (١) فأمر بالصدقة أمام النجوى، فأمّا أهل العسرة فلم يجدوا و أمّا الأغنياء فبخلوا و خفّ ذلك على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و خف ذلك الزحام، و غلبوا على حبّه و الرغبة في مناجاته حبّ الحطام و اشتدّ على أصحابه، فنزلت الآية التي بعدها راشقة لهم بسهام الملام، ناسخة بحكمها حيث أحجم من كان دأبه الإقدام.
و قال علي (عليه السلام): إنّ في كتاب اللّه لآية ما عمل بها أحد قبلي و لا يعمل بها أحد بعدي، و هي آية المناجاة فإنّها لمّا نزلت كان لي دينار فبعته بدراهم، و كنت إذا ناجيت الرسول تصدّقت حتّى فنيت فنسخت بقوله: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ (٢) الآية.
و نقل الثعلبي قال: قال علي (عليه السلام): لمّا نزلت دعاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: ما ترى؟ ترى دينارا؟ فقلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: حبة أو شعيرة، فقال: إنّك لزهيد (٣) فنزلت أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ الآية.
إذا اشتبهت دموع في خدود * * * تبين من بكى ممّن تباكى
و قال ابن عمر: ثلاث كنّ لعليّ لو أنّ لي واحدة منهنّ كانت أحبّ إليّ من حمر النعم: تزويجه بفاطمة، و إعطاؤه الراية يوم خيبر، و آية النجوى.
قلت: لو أنّ ابن عمر نظر في حقيقة أمره و عرف كنه قدره، و راقب اللّه و العربية في سرّه و جهره، لم يجعل فاطمة (عليها السلام) من أمانيه، و لكان يوجّه أمله إلى غير ذلك من المناقب التي جمعها اللّه فيه، و لكن عبد اللّه يرث الفظاظة و يقتضي طبعه الغلاظة، فإنّه غسل باطن عينيه في الوضوء حتّى عمى و شك في قتال علي (عليه السلام) فقعد عنه و تخلّف و ندم عند موته.
قال ابن عبد البر صاحب كتاب الإستيعاب قال: قال عبد اللّه بن عمر عند موته:
(١) المجادلة: ١٢.
(٢) المجادلة: ١٣.
(٣) الزهيد: القليل و كأنّه يريد مقلل.