كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٨١ - فصل في ذكر كراماته و ما جرى على لسانه من إخباره بالمغيّبات
و رأيت له صلوات اللّه عليه خطبة يذكر فيها واقعة بغداد (١) كأنّه يشاهدها، و يقول فيها: كأنّي و اللّه أنظر إلى القائم من بني العبّاس، و هو يقاد بينهم كما يقاد الجزر (٢) إلى الأضحية، لا يستطيع دفعا عن نفسه، ويحه ثمّ ويحه ما أذلّه فيهم لإطراحه أمر ربّه و إقباله على أمر دنياه.
يقول فيها: و اللّه لو شئت لأخبرتكم بأسمائهم و كناهم و حلاهم و مواضع قتلاهم و مساقط رءوسهم إلى غير ذلك من إخباره بالغيوب و أخباره التي جرت في كلّ الأحوال على أسلوبه و اطّلاعه على الحقائق و إتيانه بالامور الخوارق و معجزاته التي أربت على الأواخر و الأوائل و وقف عند صفاتها بيان كلّ قائل.
و قد روى الحافظ العالم محبّ الدين محمّد بن محمود بن الحسن بن النجّار في كتابه في ترجمة أحمد بن محمّد الدّلا عن رجال ذكرهم قال: سمعت أسماء بنت عميس تقول: سمعت سيّدتي فاطمة (عليها السلام) تقول: ليلة دخل بي علي بن أبي طالب أفزعني في فراشي، فقلت: أفزعت يا سيّدة النساء؟ قالت: سمعت الأرض تحدّثه و يحدّثها فأصبحت و أنا فزعة، فأخبرت والدي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فسجد سجدة طويلة ثمّ رفع رأسه و قال: يا فاطمة، أبشري بطيب النسل، فإنّ اللّه فضّل بعلك على سائر خلقه، و أمر الأرض أن تحدّثه بأخبارها و ما يجري على وجهها من شرق الأرض إلى غربها.
و قال بعض أرباب الطريقة: إنّ عليّا (عليه السلام) إنّما قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا في أوّل امره و ابتداء حاله، و أمّا في آخر أمره فإنّ الغطاء كشف له و الحجاب رفع دونه.
و على الجملة أيّ مناقبه أردت وصفها، و أيّ مآثره ابتغيت وصفها، وجدتها بحرا لا يدرك ساحله، و لا يطمع في المفاخرة مساجله، فاقتصرت على هذا القدر
(١) و هي الخطبة المشهورة بالزوراء، يقول صلوات اللّه عليه: الزوراء و ما أدراك ما الزوراء؟ أرض ذات أثل يشيد فيها البنيان، و تكثر فيها السكان، و يكون فيها مخازن و خزّان، يتّخذها ولد العباس موطنا، و لزخرفهم مسكنا، تكون لهم دار لهو و لعب، يكون بها الجور الجائر و الخيف المخيف، و الأئمّة الفجرة و الأمراء الفسقة، و الوزراء الخونة يخدمهم أبناء فرس و روم، لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه و لا يتناهون عن منكر إذا نكروه، تكفى الرجال منهم بالرجال و النساء بالنساء إلى آخر ما ذكره المجلسي رحمه اللّه في المجلد التاسع من كتاب بحار الأنوار فراجع.
(٢) الجزر: ما ذبح من الشاة.