كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٣٨٧ - فصل في ذكر مناقب شتّى و أحاديث متفرّقة أوردها الرواة و المحدّثون و أخبار و آثار دالّة على ما نحن بصدده من ذكر فضله
فقال عتبة و شيبة و شركهما أبو سفيان قالوا: فإنّا نرى أن نرحل له بعيرا صعبا (١) و نوثق محمّدا عليه كتافا و شدّا ثمّ نخز (٢) البعير بأطراف الرماح فيوشك أن يقطعه بين الدكادك (٣) إربا إربا، فقال صاحب رأيهم: إنّكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئا، أ رأيتم إن خلص به البعير سالما إلى بعض الأفاريق (٤) فأخذ بقلوبهم بسحره و بيانه و طلاقة لسانه فصبا القوم إليه و استجابت له القبائل و سار إليكم فأهلككم، قولوا قولكم.
فقال أبو جهل: لكن أرى أن تعمدوا إلى قبائلكم العشر فتنتدبوا (٥) من كلّ قبيلة رجلا نجدا و تبيتون (٦) ابن أبي كبشة (٧) فيذهب دمه في قبائل قريش جميعا فلا تستطيع قومه محاربة الناس فيرضون حينئذ بالعقل (٨)، فقال صاحب رأيهم: أصبت يا أبا الحكم.
قلت: و قد ورد أنّ هذا الرأى أشار به إبليس عليهم، و جاءهم في زي رجل من نجد.
قال: فأوحى اللّه إلى نبيّه بما كان من كيدهم (٩) و تلا عليه جبرئيل (عليه السلام): وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا (١٠) الآية، و أمره بالهجرة، فدعا عليّا (عليه السلام) لوقته فأخبره بما أوحى اللّه إليه و ما أمر به، و أنّه أمرني أن آمرك بالمبيت على فراشي أو على مضجعي ليخفى
(١) الصعب: نقيض الذّلول.
(٢) الوخز: الطعن بالرمح و نحوه لا يكون نافذا، يقال: و خزه بالخنجر.
(٣) الدكداك من الرمل: ما التبد منه بالأرض، و الجمع الدكادك.
(٤) الفرقة: الطائفة من الناس و الفريق أكثر منهم، و في الحديث: أفاريق العرب، و هو جمع أفراق و أفراق جمع فرقة.
(٥) انتدبه لأمر فانتدب هو له: أي دعاه له فأجاب لازم متعد. و رجل نجد أي شجاع ماض في ما يعجز غيره سريع الإجابة فيما دعي إليه.
(٦) البيات: معروف.
(٧) قال الجزري: كان المشركون ينسبون النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى أبي كبشة، و هو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان و عبد الشعرى العبور، فلمّا خالفهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في عبادة الأوثان شبّهوه به، و قيل: إنّه كان جد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من قبل أمّه فأرادوا أنّه نزع في الشبه إليه.
(٨) العقل: الدية، قال الأصمعي: و سمّيت بذلك لأنّ الإبل كانت تعقل في فناء وليّ المقتول، ثمّ كثر استعمالهم هذا الحرف حتّى قالوا: عقلت المقتول إذا أعطيت ديته دراهم أو دنانير.
(٩) الكيد: المكر، كاده يكيده كيدا و مكيدة و كذلك المكايدة، و ربّما سمّيت الحرب كيدا.
(١٠) الأنفال: ٣٠.