كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٨٥ - في شجاعته و نجدته و تورّطه المهالك في اللّه و رسوله و شراء نفسه ابتغاء مرضات اللّه تعالى
نبي اللّه و هو يتضوّر (١) و قد لفّ رأسه بالثوب، لا يخرجه حتّى أصبح، ثمّ كشف رأسه فقالوا: إنّك لئيم، كان صاحبك لا يتضوّر و نحن نرميه، و أنت تتضوّر و قد استنكرنا ذلك.
قال ابن عباس: و خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في غزوة تبوك فقال علي: أخرج معك؟ فقال: لا، فبكى علي، فقال له: أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي، لا ينبغي أن أذهب إلّا و أنت خليفتي، قال: و قال له: أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي و مؤمنة.
قال ابن عباس: و سدّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أبواب المسجد غير باب علي، فكان يدخل المسجد جنبا و هو طريقه ليس له طريق غيره.
قال: و قال: من كنت مولاه فإنّ مولاه علي، و هذا الحديث بطوله ذكر آنفا و ذكره في غير هذا الباب أنسب و لكن جرى القلم.
و أمّا شجاعة أمير المؤمنين و بأسه و مصادمته الأقران و مراسه (٢) و ثبات جأشه حيث تزلزل الأقدام، و شدّة صبره حين تطير فراخ الهام، و سطوته و قلوب الشجعان واجفة، و استقراره و أقدام الأبطال راجفة، و نجدته عند انخلاع القلوب من الصدر، و بسالته (٣) و رحى الحرب تدور و الدماء تفور، و نجوم الأسنّة تطلع و تغور، و حماسته و الموت قد كشر عن نابه، و سماحته بنفسه و الجبان قد انقلب على أعقابه، و كشفه الكرب عن وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد فرّ من فرّ من أصحابه، و بذله روحه العزيزة رجاء ما أعدّ اللّه من ثوابه، فهي أمر قد اشتهر، و حال قد بان و ظهر، و شاع فعرفه من بقى و من عبر، و تضمّنته الأخبار و السير، فاستوى في العلم به البعيد و القريب، و اتفق على الإقرار به البغيض و الحبيب، و صدق به عند ذكره الأجنبي و النسيب، فارس الإسلام و أسده، و باني ركن الإيمان و مشيّده، طلاع الأنجد و الأغوار، مفرّق جموع الكفّار، حاصد خضرائهم بذي الفقار، و مخرجهم من ديارهم إلى المفاوز و القفار، مضيف الطير و السباع يوم الملحمة و القراع، سيف اللّه الماضي، و نائبه المتقاضي، و آيته
(١) التضوّر: صياح و تلوّ عند الضرب من الوجع. و قيل: التضوّر: التضعّف.
(٢) المراس: الشدّة.
(٣) البسالة: الشجاعة.