كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٧ - فصل ذكر فضل بني هاشم و شرفهم
و أمّا الجود فليس على ظهر الأرض جواد جاهلي و لا إسلامي و لا عربي و لا عجمي إلّا وجوده يكاد يصير بخلا إذا ذكر جود علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و عبد اللّه بن جعفر و عبد اللّه بن عباس، و المذكورون بالجود منهم كثير، لكنّا اقتصرنا. ثمّ ليس في الأرض قوم أنطق خطيبا و لا أكثر بليغا من غير تكلّف و لا تكسب من بني هاشم، و قال أبو سفيان بن الحرث:
لقد علمت قريش غير فخر * * * بأنّا نحن أجودهم حصانا
و أكثرهم دروعا سابغات * * * و أمضاهم إذا طعنوا سنانا (١)
و أدفعهم عن الضرّاء فيهم * * * و أثبتهم إذا نطقوا جنانا
و ممّا يضمّ إلى جملة القول في فضل علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه أطاع قبلهم و معهم و بعدهم، و امتحن بما لم يمتحن به ذو عزم، و ابتلي بما لم يبتل به ذو صبر.
و أمّا جملة القول في ولد علي عليه و (عليهم السلام) فإنّ الناس لا يعظّمون أحدا من الناس إلّا بعد أن يصيبوا منهم و ينالوا من فضلهم، و إلّا بعد أن تظهر قدرتهم، و هم معظمون قبل الاختيار، و هم بذلك واثقون و به موقنون، فلو لا أنّ هناك سرّا كريما، و خيما (٢) عجيبا و فضلا مبينا، و عرقا ناميا لا كتفوا بذلك التعظيم، و لم يعانوا تلك التكاليف الشداد و المحن الغلاظ.
و أمّا المنطق و الخطب فقد علم الناس كيف كان علي بن أبي طالب عند التفكير و التخبير، و عند الارتجال و البدأة، و عند الإطناب و الإيجاز في وقتيهما، و كيف كان كلامه قاعدا و قائما، و في الجماعات و منفردا مع الخبرة بالأحكام و العلم بالحلال و الحرام، و كيف كان عبد اللّه بن العباس رضوان اللّه عليه الذي كان يقال له الحبر و البحر، و مثل عمر بن الخطاب يقول له: غص يا غوّاص و شنشنة أعرفها من أخزم، قلّب عقول و لسان فئول، و لو لم يكن لجماعتهم إلّا لسان زيد بن علي بن الحسين، و عبد اللّه بن معاوية بن جعفر، لقرعوا بهما جميع البلغاء و علوا بهما على جميع الخطباء، و لذلك قالوا: أجواد أمجاد، و ألسنة حداد، و قد ألقيت إليك جملة من ذكر آل الرسول يستدلّ بالقليل منها على الكثير، و بالبعض على الكل، و البغية في ذكرهم أنّك
(١) درع سابغة أي واسعة.
(٢) الخيم: السجية و الطبيعة، و لا مفرد لها.