كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٣٩٩ - فصل في ذكر مناقب شتّى و أحاديث متفرّقة أوردها الرواة و المحدّثون و أخبار و آثار دالّة على ما نحن بصدده من ذكر فضله
و مآثرها و أشعارها، ولد و نشأ بالحجاز و مات بمكة في ذي العقدة سنة ست و خمسين و مائتين عن أربع و ثمانين سنة، و كان أبوه على قضاء مكّة و ولّاه (المتوكل) القضاء بها بعد أبيه و مات و هو قاضيها، و دخل بغداد عدّة دفعات آخرها سنة ثلاث و خمسين و مائتين، و كان فتى في شعره و مروّته و بطالته مع سنّه و عفافه، و مثل هذا على صدقه عندهم إذا روى شيئا يكون صحيحا قطعا، لأنّ الزمان قديم، و المخبر صدوق، و المصنّف له متعنّت، و كيف يقدم على تصنيف كتابه باسمه و فيه ما يناقض مذهبه و يخالف عقيدته، و يجبهه بردّه عليه ما قد عقد عليه خنصره، و جعله دينه الذي يرجو به الفوز في آخرته.
حدّث الزبير بن بكار قال: حدّثني عمّي مصعب عن جدّي عبد اللّه بن مصعب، قال: تقدّم وكيل المونسة إلى شريك بن عبد اللّه القاضي مع خصم له، فإذا الوكيل مدلّ بموضعه من مونسة، فجعل يسطو على خصمه و يغلظ له، فقال له شريك: كف لا أمّ لك، فقال: أو تقول لي هذا و أنا قهرمان مونسة (١)؟! فقال: يا غلام أصفعه فصفعه عشر صفعات (٢) فانصرف بخزي، فدخل على مونسة فشكا إليها ما صنع به، فكتبت رقعة إلى المهدي تشكو شريكا و ما صنع بوكيلها، فعزله و كان قبل هذا قد دخل إليه فأغلظ له الكلام و قال له: ما مثلك من يولّي أحكام المسلمين، قال: و لم يا أمير المؤمنين؟ قال لخلافك الجماعة و لقولك بالإمامة، قال: ما أعرف دينا إلّا عن الجماعة فكيف أخالفها و عنها أخذت ديني، و أمّا الإمامة فما أعرف دينا إلّا كتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فهما إماماي و عليهما عقدي، فأمّا ما ذكر أمير المؤمنين أنّ ما مثلي يولّى أحكام المسلمين فذاك شيء أنتم فعلتموه فإن كان خطأ وجب عليكم الاستغفار منه، و إن كان صوابا وجب عليكم الإمساك عنه.
قال: ما تقول في علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ قال: ما قال فيه جدّك العباس و عبد اللّه، قال: و ما قالا فيه؟ قال: أمّا العباس فمات و هو عنده أفضل أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد شاهد كبراء الصحابة و المهاجرين يحتاجون إليه في الحوادث، و لم يحتج إلى أحد منهم حتّى خرج من الدنيا، و أمّا عبد اللّه بن عباس رحمه اللّه فضارب معه بسيفين، و شهد
(١) القهرمان: الوكيل أو أمين الدخل و الخرج.
(٢) صفعه صفعا: ضرب قفاه أو بدنه بكفه مبسوطة.