كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٧٤ - في وصف زهده في الدنيا و سنّته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
فقصّه، قال الخياط: أحوصه (١) يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، و مشى و الدرة على كتفه و هو يقول: شرعك (٢) ما بلغك المحل، شرعك ما بلغك المحل.
قال ابن طلحة: حقيقة العبادة هي الطاعة، و كلّ من أطاع اللّه بامتثال الأوامر و اجتناب النواهي فهو عابد، و لمّا كانت متعلّقات الأوامر الصادرة من اللّه تعالى على لسان رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متنوعة كانت العبادة متنوعة فمنها الصلاة، و منها الصدقة، و منها الصيام إلى غيرها من الأنواع، و في كلّ ذلك كان عليّ (عليه السلام) غاية لا تدرك، و كان متحلّيا بها، مقبلا عليها حتّى أدرك بمسارعته إلى طاعة اللّه و رسوله ما فات غيره، و قصر عنه سواه، فإنّه جمع بين الصلاة و الصدقة، فتصدّق و هو راكع في صلاته، فجمع بينهما في وقت واحد، فأنزل اللّه تعالى فيه قرآنا تتلى آياته و تجلّى بيّناته.
قال أبو إسحاق أحمد بن محمّد الثعلبي في تفسيره يرفعه بسنده قال: بينا عبد اللّه بن عباس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، فجعل ابن عباس لا يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إلّا قال الرجل: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقال ابن عباس: سألتك باللّه من أنت؟ فكشف العمامة عن وجهه و قال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني أنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بهاتين و إلّا فصمّتا، و رأيته بهاتين و إلّا فعميتا، يقول عن علي: إنّه قائد البررة و قاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، أمّا إنّي صلّيت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوما من الأيّام الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده إلى السماء و قال: اللهمّ اشهد إنّي سألت في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلم يعطني أحد شيئا، و كان عليّ في الصلاة راكعا فأومى إليه بخنصره اليمنى، و كان متختّما فيها، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره و ذلك بمرأى من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو يصلّي، فلمّا فرغ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من صلاته رفع رأسه إلى السماء و قال: اللهمّ إنّ أخي موسى (عليه السلام) سألك فقال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
(١) الحوص: الخياطة.
(٢) حسبك أي كفاك.