كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٨ - مقدمة الكتاب
تردّد عوّادي، و هداتي إذا جار الدليل و حار الهادي، أحد السببين اللّذين من اعتلق بهما فازت قداحه، و ثاني الثقلين اللّذين من تمسّك بهما أسفر عن حمد السرى صباحه، محبّتهم عصمة في الأولى و العقبى، و مودّتهم واجبة بدليل قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (١)، من أطاعهم فقد أطاع اللّه و راقبه، و من عصاهم فقد جاهره بالعناد و حاربه، و نصب نفسه درأة لعقابه و عذابه حين ناصبه، جبال العلوم الراسخة، و قلل الفخار الشامخة، و غرر الشرف البادية إذ انتسبوا عدّوا المصطفى و المرتضى، و إذا فخروا على الأملاك انقادت و أعطت الرضى، و إن جادوا بخلوا السحاب الماطر، و أخجلوا العباب الزاخر (٢)، و إن شجعوا أرضوا الأسمر الذابل (٣)، و الأبيض الناضر، و إن قالوا انطقوا بالصواب، و أتوا بالحكمة و فصل الخطاب، و عرفوا كيف تؤتى البيوت من الأبواب، و طبقوا المفصل في الابتداء و الجواب، و ما عسى أن تبلغ المدائح، و إلى أين تنتهى الأفكار و القرائح، و كيف تنال الصفات قدر قوم أثنى عليهم القرآن، و مدحهم الرحمن، فهم خيرته من العباد و صفوته من الحاضر و الباد، بهم تقبل الأعمال، و تصلح الأحوال، و تحصل السعادة و الكمال.
هم القوم من أصفاهم الودّ مخلصا * * * تمسّك في اخراه بالسبب الأقوى
هم القوم فاقوا العالمين مآثرا * * * محاسنها تجلى و آياتها تروى
بهم عرف الناس الهدى فهداهم * * * يضل الذي يقلى و يهدي الذي يهوى
موالاتهم فرض و حبّهم هدى * * * و طاعتهم قربى و ودّهم تقوى
و قد كانت نفسي تنازعني دائما أن أجمع مختصرا أذكر فيه لمعا من أخبارهم، و جملة من صفاتهم و آثارهم، و كانت العوائق تمنع من المراد، و عوادي الأيّام تضرب دون بلوغ الغرض بالأسداد، و الدهر يماطل كما يماطل الغريم، و حوادث الأقدار لا تنام و لا تنيم، إلى أن بلغ الكتاب أجله، و أراد اللّه تقديمه و كان أجّله، و أظهره في الوقت الذي قدّره له، و ألهمني إخراجه من القوّة إلى الفعل فاثبت مجمله و مفصّله فأعملت فيه فكري، و جمعت على ضمّ شوارده أمري، و سألت اللّه أن يشدّ أزري، و يحطّ بكرمه
(١) الشورى: ٢٣.
(٢) العباب- بالضم-: معظم السيل.
(٣) عام أسمر إذا كان جدبا لا مطر فيه و ذبل النبات: قلّ ماؤه و ذهبت نضارته.