كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٤٨٠ - فصل في مناقب خديجة بنت خويلد أم فاطمة
و حدّثها ميسرة عن قول الراهب و عمّا كان يرى من أظلال الملكين، فبعثت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقالت له:- فيما يزعمون- يا ابن عمّ إنّي قد رغبت فيك لقرابتك منّي، و شرفك في قومك، و سطتك فيهم (١) و أمانتك عندهم، و حسن خلقك و صدق حديثك، ثمّ عرضت عليه نفسها.
و كانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة، و هي يومئذ أوسط قريش نسبا و أعظمهم شرفا و أكثرهم مالا، و كلّ قومها قد كان حريصا على ذلك لم يقدروا عليه (٢)، فلمّا قالت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما قالت ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة بن عبد المطّلب حتّى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوّجها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و روى بإسناده عن ابن شهاب الزهري قال: لمّا استوى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بلغ أشدّه و ليس له كثير مال، استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حباشة، و هو سوق بتهامة، و استأجرت معه رجلا آخر من قريش، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما رأيت من صاحبة لاجير خيرا من خديجة، و ما كنّا نرجع أنا و صاحبي إلّا وجدنا عندها تحفة من طعام تخبئه لنا.
و منه قال الدولابي يرفعه عن رجاله أنّه كان من بدء أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه رأى في المنام رؤيا فشقّ عليه، فذكر ذلك لصاحبته خديجة، فقالت له: أبشر فإنّ اللّه تعالى لا يصنع بك إلّا خيرا، فذكر لها أنّه رأى أنّ بطنه أخرج و طهّر و غسّل ثمّ أعيد كما كان، قالت: هذا خير فابشر، ثمّ استعلن له جبرئيل فأجلسه على ما شاء اللّه أن يجلسه عليه و بشّره برسالة ربّه حتّى اطمأنّ ثمّ قال: اقرأ، قال: كيف أقرأ؟ قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ فقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رسالة ربّه، و اتّبع الذي جاء به جبرئيل من عند اللّه، و انصرف إلى أهله، فلمّا دخل على خديجة قال: أ رأيتك الذي كنت أحدّثك و رأيته في المنام؟ فإنّه جبرئيل استعلن و أخبرها بالذي جاءه من عند اللّه و سمع، فقالت: أبشر يا رسول اللّه فو اللّه لا يفعل اللّه بك إلّا خيرا، فأقبل الذي أتاك (اللّه) و ابشر فإنّك رسول اللّه حقّا.
و روى مرفوعا إلى الزهري قال: كانت خديجة أوّل من آمن برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
(١) سطتك- بكسر السين و فتح المهملة-: أي شرفك و سامي منزلتك.
(٢) و في بعض النسخ «لو يقدر عليه».