كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٦٠ - السادس في علمه و شجاعته و شرف نفسه
و تناجيهم أفكارهم في أوقات أذكارهم بما تسنّموا به غارب الشرف و السيادة، و يحصلون بصدق توجّههم إلى جناب القدس ما بلغوا به منتهى السؤال و الإرادة، فهم كما في نفوس أوليائهم و محبّيهم و زيادة، فما تزيد معارفهم في زمان الشيخوخة على معارفهم في زمان الولادة، فهم خيرة الخير و زبدة الحقب و واسطة القلادة، و هذه أمور تثبت لهم بالقياس و النظر، و مناقب واضحة الحجول بادية الغرور، و مزايا تشرق إشراق الشمس و القمر، و سجايا تزيّن عنوان التواريخ و عيون السير، فما سألهم مستفيد أو ممتحن فوقفوا، و لا أنكر منكر أمرا من أمور الدين إلّا علموا و عرفوا، و لا جروا مع غيرهم في مضمار شرف إلّا سبقوا، و قصّر مجاروهم و تخلّفوا سنة جرى عليها الذين تقدّموا، و أحسن اتّباعهم الذين خلّفوا، و كم عانوا في الجلاد و الجدال أمورا فتلقّوها بالرأي الأصيل، و الصبر الجميل، و ما استكانوا و لا ضعفوا فلهذا و أمثاله سموا على الأمثال و شرفوا.
فأيّهم اعتبرت أحواله، و تدبّرت أقواله، و شاهدت جلاده و جداله، و جدّته فريدا في مآثره، وحيدا في مزاياه و مفاخره، مصدّقا قديم أوّله بحديث آخره، فقد أفرغوا في قالب الكمال، و تفرّدوا بجميل الخلال، و ارتدّوا مطارف المجد و الجلال، و قالوا فأبانوا و بيّنوا تقصير كلّ من قال، و أتوا بالإعجاز الباهر في الجواب و السؤال، تقرّ الشقاشق إذا هدرت شقاشقهم (١)، و تصغي الأسماع إذا قال قائلهم أو نطق ناطقهم، و يكشف الهواء إذا قيست خلائقهم، و يقف كلّ ساع عن شأوهم فلا تدرك غايتهم، و لا تنال طرائقهم سجايا منحهم بها خالقهم، و أخبر بها صادقهم، فسرّ بها أولياؤهم و أصادقهم، و حزن لها مباينهم و مفارقهم، فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أزال الشبهة و الالتباس، و صرّح بفضلهم لئلّا يفتقر في إيضاحه إلى الدليل و القياس، و نطق معلنا بشرفهم الداني الثمار الزاكي الغراس، فقال لو سمع مقاله: إنّا بني عبد المطّلب سادات الناس، صلّى اللّه عليه و عليهم أجمعين صلاة دائمة باقية إلى يوم الدين.
و قد حلّ الحسين (عليه السلام) من هذا البيت الشريف في أوجه و يفاعه (٢)، و علا محلّه فيه علوّا تطامنت النجوم عن ارتفاعه، و اطّلع بصفاء سرّه على غوامض المعارف
(١) الشقاشق جمع الشقيقة: طائر. و هدر الحمام: صوت.
(٢) اليفاع: ما ارتفع من الأرض.